22/10/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

تفكيك المشروع التركي في إفريقيا

منير أديب- صحفي و مختص في شؤون الجماعات الإسلامية

المقال نقلا عن موقع فاروس

لا خلاف على أن المقاتلين الأجانب هم أحد أهم أدوات تركيا وسلاحها لاحتلال ليبيا، فتوافقت الأهداف بين المرتزقة الذين تم جلبهم من سوريا وبين الأهداف التركية الطامحة لعودة الإمبراطورية العثمانية من خلال احتلال قلب القارة السمراء، وهي تدرك أن طرابلس وبني غازي هما مفتاحها نحو إفريقيا.

مشروع تركيا لا يختلف كثيرًا عن مشروع المرتزقة، فكل منهما يرمي لعودة الخلافة، تركيا أرادتها خلافة سياسية في ثوب الأجداد القدامى فسعت لاحتلال الأرض في ليبيا وسوريا والعراق ونشطت في إفريقيا لتحقيق طموحها، والمرتزقة يريدون عودة الخلافة الإسلامية، حسب مفهومهم، وتوافق الهدفين وكلٌ منهما استخدم الأخر في معركته.

تركيا مشغولة بإقامة إمارة إسلامية في ليبيا بحيث تكون نواة لخلافة تتوافق مع مفهوم المرتزقة الذين نجحوا من قبل في إقامة دولة بالرقة والموصل في 29 يونيه من العام 2014، وسقطت على أعتاب المواجهة الدولية بعد 5 سنوات في 22 مارس من العام 2019، فلم يمر العام حتى تأتي تركيا لإعادة بناء صرح الخلافة المتهاوي متلافية الأخطاء التي أوقعت فيها دولة داعش.

واختيار ليبيا من قبل تركيا لم يأتي اعتباطًا، كما أن اختيار إفريقيا كان محسوبًا لقيام مشروع الإسلام السياسي، نظرًا لما تعيشه هذه القارة من عدم استقرار أنظمة الحكم في العديد من عواصمها وارتفاع نسبة الفقر والجهل مع قلة معدلات التنمية.

كل هذه الأسباب دفعت أنقره لتحديد اختياراتها من قيام هذه الإمارة، نظرًا لتعقيدات المشهد السياسي في الداخل الليبي وقرب هذه الدولة الإفريقية من أوروبا، والتي لا تفصلها عن القارة العجوز سوى مائتين كيلو متر فقط، وهي التي حرمت اسطنبول من الانضمام للإتحاد الأوروبي، فبدت الأخيرة أكثر قربًا لمشروع الإسلام السياسي.

لا تملك تركيا أي أوراق يمكن أن تمكنها من احتلال ليبيا سوى هؤلاء المرتزقة أو مقاتلي “داعش” وسط معارضة في الداخل التركي من إرسال مقاتلين أتراك، وهو ما دفع القيادة السياسية لإعادة استخدام هؤلاء المرتزقة في ليبيا بعدما سبق واستخدمتهم في سوريا والعراق قبل سقوط دولة “داعش”، وبالتالي أصبحوا هؤلاء أدواتها في احتلال ليبيا.

هناك 10 حقائق لابد أن تكون حاضره على العقل العربي في محاولة لفهم السلوك التركي، وهي ما سوف تساعد على مواجهته وتفكيكه.

1- تركيا تسعى لاندلاع صراع مسلح في ليبيا من خلال إرسال المرتزقة لقتال الجيش الوطني الليبي.

2- يوجه أردوغان طعنات انتقامية للقيادة السياسية في مصر على خلفية إسقاط مشروعه السياسي الذي تبنته حركة الإخوان المسلمين في العام 2012.

3- أنقرة هدفها لم يكن اقتصاديًا وإن كان الاقتصاد أحد أهم أسباب دخولها ليبيا، ولكنه هدف سياسي بامتياز يتمثل في إعادة احتلال ليبيا والتي وصفها الرئيس التركي بأنها أمانه عثمانية!

4- ليبيا مجرد بوابة لإفريقيا واحتلال عواصم عربية سواء من خلال العمليات العسكرية أو القرار التركي النافذ فيها، وكل هذا له علاقة بمفهوم الأتراك لعودة الإمبراطورية العثمانية.

5- توحدت الغاية والأهداف مع تنظيمات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، فتركيا والتنظيمات المتطرفة كلٌ منهما يستخدم الأخر في تحقيق مشروعه ويكاد يتطابق المشروعين ويتمثلان في إقامة الخلافة الإسلامية حتى ولو كان في شكل عودة الخلافة العثمانية.

6- الرئيس التركي يسعى لتكرار سيناريو العراق وسوريا في ليبيا، كما أن إيران نجحت في إشعال الاحتراب الداخلي والطائفي في اليمن بدعمها للحوثيين، والتنسيق التركي الإيراني يظهر في دعم الحركات المتطرفة السنية والشيعية في لبنان وسوريا والعراق.

7- استغل أردوغان أزمة اللاجئين السوريين وقام بتجنيدهم في المعسكرات التركية وإرسالهم للقتال في ليبيا، وهو ما يؤكد غياب الشعارات الإنسانية التي يدعيها وغياب القيم الإنسانية من خلال دعمه جماعات العنف والتطرف.

8- عين تركيا على منطقة الساحل والصحراء والقرن الأفريقي محاولة استغلال نشاط التنظيمات المتطرفة في هذه الدول من أجل دعم الإمارة الإسلامية التي يريد إقامتها في ليبيا، بحيث تكون خزان بشري للإرهاب في إفريقيا.

9- هدف تركيا هو تهديد الأمن القومي المصري والعربي من خلال احتلال ليبيا، وهي هنا تضع خنجرًا في خصر العرب كمحاولة بائسة لاستعادة أملاك إمبراطورية أجداده كما يعلق كثيرًا في خطاباته السياسية.

10- أردوغان يريد أن يحقق أهدافًا في مرمى مشروع خصمه السياسي بدعم جماعات العنف والتطرف، والذي يقف مواجهًا لمشروع الدولة الوطنية والاستقرار في المنطقة من خلال تهديد مصر وتعكير صفوها بإحتلال ليبيا وتهديدها عبر الحدود الغربية. 

ومن هنا يمكن القول بضرورة بلورة رؤية عربية لمواجهة مشروع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قارة إفريقيا، بعدما نشطت المخابرات التركية في العديد من العواصم الإفريقية ونجحت تركيا في إقامة بعض القواعد العسكرية في أكثر من دولة إفريقية، وهو ما يتطلب مواجهة للمشروع التركي الذي بدأ يزحف على بلداننا العربية.

تأتي أهمية المواجهة العربية في ظل غياب دور دولي لمواجهة تدخلات تركيا في إفريقيا مع غياب دور الأوربيين والذي اقتصر على مجرد التنديد بالتدخلات العسكرية التركية، وهنا تجب المواجهة للمشروع التركي وأحلام سيطرته، وألا تقتصر هذه المواجهة على تدخلاته في ليبيا أو في إفريقيا فقط.

لابد من بلورة وصياغة هذه الرؤية وفق الاعتبارات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية والتحديات التي تواجهها على يد المشروع الإيراني، وأن تكون مواجهة المشروع في سياقاته السياسية والدبلوماسية والفكرية وألا يتم استثناء الخيار العسكري من المواجهة إذا كان حلًا أخيرًا وفاعلًا.

أي مواجهة للمرتزقة أو المتطرفين وداعمي مشروع الإسلام السياسي في المنطقة هو في حقيقة الأمر مواجهة للمشروع التركي، فهؤلاء هم عصب المشروع وعموده الفقري، كما أن أي مواجهة للمشروع التركي في منطقتنا العربية هو في حقيقة الأمر مواجهة لمشروع الإسلام السياسي والمتطرفين والإرهابيين، وهذا ما دفعنا للقول إن وجود رؤية عربية لمواجهة المشروع التركي بتحالفاته في إفريقيا يبدو أمرًا في غاية الأهمية لأحداث التغيير المنشود في سقوطه.