06/07/2022

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

العدل قبل الجودية.. في أحداث الجنينة

السفير نصر الدين والي, سفير السودان السابق لدى منظمة اليونسكو ودولة فرنسا


إن الأحداث الخطيرة في الجنينة ربما أعادت للأذهان المجازر والويلات والقهر والتشريد والظلم والإقصاء والتهميش التي وقعت في دارفور على مدى سنوات في العهد البائد وكل ما كابده أهلنا في دارفور، وما أفرزته تلك السياسات العرجاء من العديد من الآثار العميقة والجراح الغائرة في قلب وضمير الوطن.
السؤال هل نحن ما نزال وبرغم ما أحدثته الثورة من رسم مسار تغيير جذري في المفاهيم والأفكار والممارسة، نستمر في عهد الإفلات من العقاب؛ هذه الثقافة المقيتة والسياسات البائسة والمعوجة التي انتهجها النظام الباطش البائد؟
هذه ليست بركة ساكنة نريد من بحرك مياهها؛ بل هذا إمتداد للظلم والقهر ما ينفك يقع على أهلنا المسالمين في دارفور وأمام أعيننا نحن دعاة الحرية والسلام والعدالة، ولا أستثني أحداً. فإن كنّا نتحدث عن أنفسنا كمواطنين سودانيين، لنا ذات الحقوق وعلينا نفس الواجبات فيجب علينا أن نصادم الهيمنة والعنف والقتل بعزيمة واحدة موحدة.
فعندما إنتهت الإبادة الجماعية في رواندا، وسادت ودانت الدولة لقيادة رشيدة وواعية، أول ما أسقطته تلك القيادة من المفاهيم السائدة آنذاك؛ التمييز القبلي، تتوسي وهوتو، وقالت القيادة كلمتها، بأننا روانديين، ومن يقول غير ذلك يحاسبه القانون بإرتكابه جريمة تمييز قبلي، ومن هنا كانت بداية نهوض رواندا كدولة، و الروانديين كأمة واحدة لا تمايز ولا تمييز بينهم ولا فيها. وقد طوت رواندا خلال عشرة سنوات أسوأ صفحة في تاريخها الحديث بإقامة العدل عبر برنامج (Gacaca) بلغة ال Kinyarwanda هي المحاكم الشعبية (أو الإدارة الأهلية عندنا، وال Gacaca تعني القش في لغة ال Kinyarwanda) (ألا تري يمتزج العرف والإرث الأفريقي يمتد في العمق الأفريقي من السودان عبر مجرى النيل إلي منابعه في نهر أكاقيرا في رواندا؟) ، فنال المجرم عقابه وحصد البريء على براءة لا تشوبها شبهة، وعاد الروانديون عبر برنامج أخر Grinka Program حيث نشأ البرنامج من رحم معاناة الروانديين ومأساتهم الكبرى في أعقاب  the 2006 National Umushyikirano Council (NUC) كبرنامج (Home-Grown Solution ) كما يحلو للروانديين) لتحسين معيشة وإدماج ضحايا الإبادة من قومية التوتسي في الحياة والعيش الكريم. ويقوم البرنامج علي إهداء بقرة (أي نعم، بقرة) لإعانة الأسرة أو الشخص الناجي من ويلات الإبادة علي العيش الكريم، ويقوم هذا الشخص بإهداء (العجل أو العجلة الوليدة) للجار !!! ما أجمل هذه المشاركة الوجدانية!!!.
إخوتي؛ علينا نبذ القبلية أولاً في أنفسنا وذواتنا، وركل التمييز القبلي، وعلينا قبل أن نحكم الممارسات القبلية الحميدة بجبر الضرر وممارسة (الجودية) والتربيت على يد وكتف المكلوم وطلب العفو والصلح، علينا إقامة العدل، وبسط ثقافة وحدة السودانيين كمبدأ للعيش الكريم المستحق الذي ننشده، والتعايش السلمي وأن الهوية السودانية والمواطنة هي الأساس في الحقوق والواجبات. وطننا وطن للجميع، حق لنا بالتساوي، لا مكان لإستعلاء عرقي زائف وبغيض في حياتنا، نحن متساوون في بلد شاسع فيه تمازج ثقافي وإثني وعرقي وديني، ولكن بحقوق متساوية، وهذا هو مصدر قوتنا لا ضعفنا. فإلي متي نقتتل فيما بيننا ولأسباب مهما كانت لا يحب أن يكون استباحة دم الآخر، وسطوة القوي على الضعيف هو الحل؛ فالدم السوداني أغلى من كل شيء، وإعاقته دون وجه حق حرمته الأديان السماوية كافة، وديننا الحنيف خاصة. ونحن في دارفور أهل لوح ودواية، فينا الحافظ والحافظة وبيننا القوني؛ ومعرفتنا بحدود الله وأحكام ديننا الحنيف تفوق العددين في أركان المعمورة بل وامتد ذلك للعمق الإفريقي في غرب القارة على امتدادها، وطفق يطوف العالم حتى وصل إندونيسيا فعرفنا بالتدين السمح فأقتدي بِنَا الغير في غير إلزام. ألا نحكم قول الله فيما بيننا لنتفكر في الحرمات القصاص؟ ألم يحن بعد طي صفحات العنف وإلى الأبد؟، فلن يتأتى بناء وطننا إلا بذلك، وتتكاتف سواعدنا، دعونا من الوهم الزائف بادعاء عروبة غابرة وتشبث بزنجية صرفه، فلا هذا موجب لإستعلاء جائر ولا ذاك موجب لقهر واقع، فتمازجنا طغي علي كل ذلك، وأصبحنا شئنا أم أبينا، ورغماً عن أنف صيرورة التاريخ أمة تعيش في بوتقة ثقافية وتمازج عرقي ورباط وثيق إن تفكروا وتمعنا في مكنونه.
فقدنا ما يقارب ٤١ روح بريئة ونحن نستقبل مرور عام علي ثورة مجيدة مهرناها بأرواح طاهرة ودماء زكية و مهجن من شتى بقاع الوطن، خلفت الكلمي والثكلى والجرحى والمفقودين؛ ولكنها أهدتنا بلداً أخر، وقيادة أخرى، اختلفنا أم اتفقنا معها، فرفعنا شعار بأنها تمثلنا، فلنرفع شعار أخر؛ “لا لمزيد من القتل والعنف، نعم للبناء” قبل أن نرسل الوفود والجنود والعسس مدججين بالسلاح والعتاد؛ إلي. الجنينة الجريحة؛ القضية قضية ثقافة تعايش وتراضي ومواطنه وعدالة مشتركة مصدراً لقواتنا.
فليرحم الله الشهداء في الجنينة وفي كل مكان، فلا فرق بين مذبحة القيادة ومذبحة الجنينة فجميعها أرواح سودانية سقطت دون ذنب، ولكن سيكون لها من يبكيها ويطلب بإقامة العدل كما رأينا العدل، ونحن نستشرف عهداً من الحرية والعدالة، يضع علامة فارقة بين ظلم وقهر الإنقاذ في قضية المعلم أحمد الخير و تنسمنا لعدالة مستحقة من قوم جبارين.