30/09/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

جريمة في بلاط السلطان

السفير نصر الدين والي, سفير السودان السابق لدى منظمة اليونسكو ودولة فرنسا 

ما انفك الرئيس المخلوع يقترف الجرائم الكبرى في حق الشعب السوداني المغلوب علي أمره، كلما حانت له الفرصة السانحة؛ حتى في لحظة سقوط عرشه الذي تربع عليه على مدى ثلاثة عقود. ثلاثة عقود من عمر الشعب السوداني، ثلاثة عقود هو عمر ثلاثة أجيال بكاملها. ففي تلك اللحظة التاريخـية ظل متشبثـاً، ممسكاً بكرسيـه في السلطة بقبضـة من حديد، تأبي يداه أن تبـارح صولجانه وتاج عرشه، وها هو يقول وبشهادة رجال ومسؤولين عدول من وجهة النظر القانونية القضائية، ” نحن مالكيه، والمالكية جوزوا للحاكم عند خروج الرعية عليه أن يقتل الثلث، وغلاة المالكية يجيزون له قتل النصف، وترك النصف الآخر ليعيش بكرامة وعزة وفي أمان”، هذا ما قاله الرئيس المخلوع في اللحظة الدقيقة التي حاول فيها ضباط عظام إقناعه بضرورة التنحي لأن الوضع المأزوم في الشارع والبلاد كلها لا يحتمل المزيد. 

هل يمكنكم أن تصدقوا أخي وأختي، إبني وإبنتي، والدي ووالدتي،  وهل تسمعني أيها الشعب الذي كرمك الله، وحرم دمك إلا بالحق، بل وقال في محكم تنزيله (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا). وقال الله تعالى (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلـنا لوليـه سلطانا فلا يسـرف في القتل إنه كان منصوراً)

ولكن رئيسنا المخلوع والذي جثم علي  صدورنا لثلاثة عقود، أباح لنفسه أن يقول قبل سقوطه ببضعة أيام علنا وأمام لفيف من كبار ضباط الشرطه، وهم من يناط بهم حماية أرواح وممتلكات المواطن، بل يحموننا من جور من يأخذون القانون بأيديهم حتى في أبسط عراك أو تلاسن أو تعدي يسبب ربما الأذي البسيط أو الجسيم، قال لهم بملأ فمه إنهم بإمكانهم قتل بضعة متظاهرين، لم يرتكبوا أي جرم سوى المطالبة السلمية بحقوق كفلها لهم القانون والدستور، وقال إن القتل مقصود به منع الأخرين من التمادي، وهذا القول العلني يتطابق مع ما قاله للفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي والفريق أول محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الذي جاء على لسانه علناً وعلى الملأ من العالم الذي يشاهد ويتابع ما يجري في بلادنا لحظة بلحظة، وجموع الشعب السوداني داخل وخارج البلاد. ولكن وَيَا لسخرية الأقدار والمواقف، فبينما يمتدح العالم الثورة السودانية، ويشيد بها كنموذج لما أنتجته من عبر للتاريخ، وفي تعبيره عن دهشته للكيفية التي حافظ بها جموع الشباب اليافع على شعار أطلقوه ومثل أكبر قيمة إنسانية ( حربة، سلام وعدالة والثورة خيار الشعب، وهو ما عبر عن سلمية الثورة ومجمل الحراك )؛ وهم يواجهون أبشع وأقذع وأفظع وأقسي رد فعل من أجهزة النظام، وآلته العسكرية  وقوات أمنه ومليشياته وخلايا ظله وخلاياه النائمة التي حاولت التصدي لإرادة الشعب السوداني الأعزل، فلم يستثنوا الأنثي ولا الذكر، الشيخ أو الطفل، ضربوهم بقسوة شهد عليـها العالم بأثره، وسجلتهـا الوسـائط الإعلاميـة ونقلتها مباشرة إلى لبيوت الناس في أركان المعمـورة، فألجموا وأخرصوا الألسن لما يحدث من مفارقات. لا يكاد يعقلها الخيال أو يصدقها المنطق، فأعاد ذلك للأذهان ما جرى في دارفور ولشعبها المسـالم البسـيط من قتل واضطهاد وتشريد وعنف جسدي، وحينها حرك النظام كافة آلته الإعلامية الجهيرة لإنكار ما وقع من جرائم فظيعة في دارفور، ودفع الأموال لكتاب مرتزقة ليدحضوا ما يقال ويكتب، وطفحت صحفهم ووسائل إعلامهم المأجورة، وسلحوا عضويتهم بأسلحة كذب ذخيرتها الإنكار والتشكيك وكسب الزمن الذي استرخصوه وهو أغلى ما يملكه الإنسان في حياته.

نعم، فبقدر ما طفحت به  وسائل الإعلام الدولية التي تزهو فخراً بالثورة السودانية، وبأنهم أمام نموذج من الشعوب، والثقافة والحضارة المتفردة، فاضت مواعينهم الإخبارية بما يفرغ الأفواه ويشد الأعين بما كان يفكر ويخطط له رئيس بكل الوسائل الباطشه، والإجراءات التي لا يحكمها القانون أو المنطق، بل وتندرج تحت القتل خارج الأطر القانونية التي تليق بميليشيا متفلته، أو العتاة أو الجلاوذة من المجرمين، لا أن يقوم به رئيس ادعى ولثلاثة عقود بأنه ورهطه قد جاؤوا ليعيدوا للدين سيرته، بل و مارسوا كل أشكال السياسات والممارسات الترغيبية والترهيبية لتعليم أصول الدين الإسلامي، أركانه، وعقائده وفرائضه ومعاملاته لشعب عرف بفطرته الدينية الإسلامية التي تطبع عليها، فخرجت معاملاته عاكسة لسماحة الإسلام، وقيمه ومبادئه، فأصبح مضرباً للمثل في العالم، بل وأسهم في نشر الدين بسلاسة في أركان الدنيا، فهاجر الشيخ ساتي ماجد إلى الولايات المتحدة  فدخل الإسلام على يديه مئات الآلاف حتى لقب ( بشيخ الإسلام في أمريكا)، وضرب الشيخ أحمد سوركتي أكباد الإبل حتى وصل إلى إندونيسيا فنشر الإسلام في تلك الأصقاع انتشار الماء في اليابسة

ولكن ممارسات هذا الرئيس المخلوع ورهطه  أرجعت السودان إلي عهود ما قبل الإسلام، وعاثوا في الأرض فساداً ونسوا قول الله تعالى: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد).  وهاهي كلمات الله تتحقق في رئيسنا المعزول المخلوع حيث قال عز وجل من قائل: ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على شيء قدير) صدق الله العظيم.

وها هي قدرة الله تتجلى نهاراً جهاراً فيه، فنزع الله منه الملك نزعاً، وأدخله  ذلاً لا مثيل له، فها هي الحناجر لم تنفك تهتف ضده، وأصوات الأمهات الثَّكلَي يدعين عليه أناء الليل والنهار، وأصوات الرجال الجهيرة تلعنه وتدعو أن يناله ثبوراً، ولكن كل ذلك لن يشفي غلنا من طاغية تجبر فأذلنا وقهرنا وقتلنا وشردنا في أركان المعمورة، وأطلق العنان لزبانيته يقتلون بوحشية لا قبل للشعب السوداني الأعزل بها، بل وإن حالات الإغتصاب لم تعفي حتى الرجال دعك من الفتيات والنساء، ففاقوا زبانيته عتاة الجبابرة فسوقاً ومجاهرة فتركوا في حنايا الصدور والقلوب جروحاً غائرة لن تندمل أبد الدهر.

إن يوم الحساب الدنيوي قد أتي، فها هو في قبضة جلاديه ممن كانوا بالأمس زبانيته وأدوات عنفه وقتله للعزل وقساة عسسه من أذاقونا الذل والهوان والتعذيب. وفي تقديري، إن لم أكن مخطئاً فإن التحريض علي القتل جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي،  وحديثه المثبت يندرج ضمن هذه الجريمة الشنعاء، وتأتي مع سبق إصرار وترصد؛ ليس بشخص بل بشعب بأكمله، وهناك شهود، ووقائع، وفتوى، وحيثيات، وهدف، وتفكير متأني، وهناك آلة حربية جاهزة لإشارة من بنصر قائد لا تطرف له عين.

ويقول فقهاء القانون (بأن التحريض أو إغراء شخص لغيره بإرتكاب جريمة أو أمره لشخص مكلف تحت سلطانه بارتكابها، جريمة يعاقب عليها القانون حتى وإن لم تقع تلك الجريمة). فتلك إذن جريمة كاملة الأركان القضائية؛ ولا شك أنها ستضاف إلى جرائمه آنفة الذكر وسجله الأسود. ولم يدر بخلد الطاغية قول الحق (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا }.صدق الله العظيم. كما يقول أحد الفقهاء والقضاة الثقاة إن ما حدث يؤسس لجريمة قضائية إن توفرت بينة أقوال الشهود ومقاطع الفيديو التي أعلنها أحد الشهود (في هذه الحالة الفريق أول محمد حميدان دقلو) والتي توثق للضرب والعنف الجسدي، كما يعتبر الذي أفتي للبشير شريكاً فيها طبقاً للمواد ٢٥ و٢٦ من القانون الجنائي. ويمكن تقديمها كقضية لجهات الاختصاص لتقوم بواجبها في التحقيق مع مرتكبي الجريمة إلي القضاء، فهي بالتالي جريمة كاملة لا شك في ركن من  أركانها.