بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

التلوث البيئي يودي بحياة الملايين في إفريقيا سنويًا

 عماد الدين يوسف

يذهب علماء الاجتماع السياسي إلى أن الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي للدول يرتبط بصورة كبيرة بالمكون البيئي، وأن الأمم التي تعاني من أزمات بيئية وتقلبات مناخية تكون أكثر عرضة للهزات والاضطرابات من غيرها، فيما تمنى خارطتها التنموية بالضربات الموجعة التي تشل أركانها.

وتعد إفريقيا واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة في منظومتها البيئية وهو  ما تُظهره الأرقام المتزايدة في أعداد الوفيات التي تُسجَّل سنويًّا في إفريقيا بسبب سوء الأحوال الجوية وتزايد الاحتباس الحراري وتنامي تلوث الماء والهواء، الأمر الذي انعكس بشكل كبير على مستوى القارة الاقتصادي والحياتي.

وعامًا تلو الأخر تحولت القارة إلى بؤرة لعدم الاستقرار البيئي في العالم، ومصدرًا لتفشي الأوبئة وانتشار الأمراض وتعدد مظاهر الانهيارات البيئية بشتى أنواعها، ورغم الجهود المبذولة من المنظمات الدولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلا أن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ في ظل انتشار الفقر الذي يعد المعول الأبرز للهدم البيئي.

العديد من الباحثين أشاروا إلى أن التغيرات المناخية في إفريقيا تعد أرضا خصبة لنشوب الصراعات إلا أن قرار الانخراط في الصراع يظل رهين العديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الداخلية الإقليمية والدولية، فيما توقعت الدراسات زيادة عدد اللاجئيين المهاجرين للقارة حاجز الـ 300 مليون إفريقي بحلول عام 2050.

أرض خصبة للتلوث البيئي

من أبرز السمات التي يتميز بها الأفارقة زيادة الاستهلاك واختلاله منظومته، ما يجعل هناك قفزات كبيرة في حجم المخلفات والنفايات التي ينبغي التخلص منها، هذا بجانب الانفجار السكاني الذي تعاني منه معظم بلدان القارة، وهو ما ينعكس سلبا على المنظومة الإيكولوجية بصفة عامة.

ويعد الأمن البيئي والتنمية المستدامة هدفًا بعيد المنال لدول القارة منذ  انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية عام 2002م فلا يزال التَّلوُّث البيئيّ يُشكّل تحدّياً كبيراً، وهو ما دفع الأمم المتحدة وعدد من المنظمات المعنية بالبيئة للحث على ضرورة إعادة النظر في نظرة تلك الدول للبيئة كمفهوم اقتصادي وسياسي في المقام الأول.

وفي إطار التعاطي مع تلك التعليمات نشرت تشدا التعليم البيئي في مدارسها، فيما أعدت رواندا قائمة بالبرامج اللازمة لجعل المرأة ذات اهتمامٍ بقضايا البيئة، كالتعليم، والتوعية بكيفية الاستهلاك الرشيد للماء العذب، وموارد الطَّاقة، وتضمَّنت استراتيجية بوروندي تعزيز الوعي العامّ بالبيئة، والتعليم البيئيّ وحمايته من التَّلوُّث،، في حين هدفت تنزانيا إلى دعم ذلك النَّمط من التَّعليم بين صنّاع السياسة، وسكان الرّيف، والمدن، وأطفال المدارس، بل والسائحين الذين يزرونها أيضاً.

ورغم الجهود المبذولة والتشريعات التي تم إقرارها لحماية البيئة إلا أن ما تحقق لا يرتقي وطموحات سكان القارة، حيث يُشكّل التَّلوُّث في إفريقيا 5% إلى 20% من التَّلوُّث العالميّ في عام 2005م، وقد تصل إلى 50% من الانبعاثات العالمية الإجمالية من المواد الملوِّثة بحلول 2030م؛ وفق دراسة منشورة في مجلة انفيرمنتال ريسيرتش ليتيرز عام 2014م.

وقد توقعت دراسة أخرى زيادة نسبة التلوث خلال السنوات العشر القادمة إن لم يُتخذ الإجراءات الضرورية لمكافحته، لافتة إلى أن منطقة غرب إفريقيا وحدها مسؤولةً عن 45% من الانبعاثات الملوِّثة، خصوصاً في نيجيريا، كما ستساهم منطقة شرق إفريقيا بنسبة 24%، خصوصاً في إثيوبيا وكينيا.

وترجع أسباب التلوث في إفريقيا بجانب الانفجار السكاني إلى الممارسات التقليدية وغياب الوعي البيئي؛ حيث لا توجد خطوات فعليَّة لدى معظم دول إفريقيا في سبيل التخلّص من المشكلة، علاوة على تركيز النَّشاط الصناعيّ والتجاريّ في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية، وما يترتب على هذا النَّشاط وتلك الكثافة العالية من تلوُّث، وكذلك التخلّص من أشجار الغابات لتوفير المساحات، وصرف المخلّفات المنزلية والصناعية في البحيرات والأنهار والبحار، والتخلّص من النفايات الكيماوية السَّامة والخطرة والنفايات الذرية في مواقع تشكّل فيها خطراً على البيئة، وانقراض أعدادٍ متزايدة من الكائنات الحيوانية والنباتية لسببٍ أو لآخر.

حياة 34  مليون إفريقي على المحك

كان للتلوث البيئي في إفريقيا تأثيرات كارثية على مواطني القارة، حيث أشارت تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مايزيد عن 18 مليون شخص حياتهم على المحك بسبب مخاطر الجوع، فيما أثرت المخاطر المناحية على على أكثر من 34 مليون إفريقي في عام 2012، وتسببت في خسائر اقتصادية تُقدَّر بأكثر من 1.3 مليار دولار في الفترة بين عامي 2011 و2012.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الأمراض وحالات الوفاة الناجمة عن تلوث البيئة تصل نسبتها إلى (18%) من مجمل الأمراض في الدول النامية، ويرجع ذلك إلى قصور إمدادات المياه والمرافق الصّحية، و(4%) إلى تلوُّث الهواء داخل المنازل، و(3%) إلى الأمراض التي تنقلها الحشرات بسبب تلوُّث التُّربة والماء، و(2%) إلى تلوُّث هواء المناطق الحضرية، و(1%) إلى المخلفات الصناعية، بينما تحظى دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأرقامٍ أعلى تصل إلى (26.5%).

كما تسبب التلوث في وفاة 7 مليون وفاة مبكرة سنويًا بحسب تقرير منظمة الصحة العالمية، كما تشير الإحصائيَّات إلى أن (28%) من الأمراض في إفريقيا ترتبط بالمخاطر البيئيَّة (الإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي، والملاريا)، وهو ما يمثِّل (60%) من آثار تلوُّث البيئة المضرّة بالصّحة.

وفي دراسة تحت عنوان (تكلفة تلوُّث الهواء: تدعيم المبرِّر الاقتصاديّ للتَّحرُّك) للبنك الدولي كشفت عن وفاة نحو 125 ألف شخص في بلدان الشَّرق الأوسط وشمال إفريقيا عام 2013م  بسبب الأمراض الناجمة عن التلوث البيئي، ويتوقَّع تسجيل ارتفاع كبير في نسبة التَّلوُّث البيئيّ بحلول عام 2030م ومن ثم زيادة عدد الوفيات.

ووفق إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة عام 2014م، فإن 115 شخصاً يموتون كلّ ساعة في إفريقيا بسبب الأمراض المتعلِّقة بتلوُّث البيئة، فيما بلغت التكلفة الاقتصادية لمواجهة إفريقيا منظومة التلوث 215 بليون دولار سنويّاً لتلوُّث الهواء الخارجي، و 232 بليون دولار للتلوُّث بالأجهزة المنزلية، أو في الأماكن المغلقة.

استراتيجيات المواجهة

في ظل النتائج الكارثية للتلوث البيئي وما تخلفه من خسائر كبيرة، بشرية كانت أو مادية، فقد وضع خبراء البيئة في القارة حزمة من الإجراءات التي يجب أن يؤخذ بها لمواجهة التلوث البيئي في إفريقيا، أبرزها تعزيز الجهود الإفريقية في مواجهة التَّحدّيات البيئية والتنموية، وإلزام الدول الكبرى بتعهداتها المالية تجاه القارة الإفريقية.

كذلك تطوير أنظمة الوقاية من تدهور البيئة وتلوُّثها، من خلال تحسين الأطر التنظيمية، وتعزيز نشاط إنفاذ القوانين واللوائح التنظيمية ذات العلاقة، الذي يساعد على تحسين نوعية التقييم البيئي؛ بجانب استقطاب التقارير البيئية العالمية، ونشر المعرفة والعلوم البيئية بين أفراد المجتمع الإفريقي.

علاوة على عقد اتفاقيات بين دول إفريقيا تختصُّ بالمحافظة على البيئة الطبيعية، ومنع تلوُّث مياه النَّهر،وتعزيز  البرامج التليفزيونية والإذاعية، وبرامج الإنترنت، والمحاضرات العامّة والندوات، والمعسكرات الشبابية، والتي تهدف إلى توعية أفراد المجتمع بضرورة الاهتمام بسلامة البيئة ونظافتها، وتغيير الأنماط الاستهلاكية المُضِرّة بالبيئة.

وفي الأخير ضرورة التعامل مع التلوث البيئي كأزمة منهجية لابد من وضع استراتيجية علمية لمواجهتها، وعليه ضرورة تعزيز الاهتمام بالبحوث النظرية والتطبيقية التي تعالج آلية مواجهة هذه الظاهرة، وذلك بتمويلها ونشرها وتداولها بين صانعي القرارات، والجهات الرسمية المعنية بالقضايا البيئية وحمايتها، والمواطنين.