بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

التيجانية.. قوة نيجيريا الناعمة في مواجهة التطرف

عماد عنان

تعد نيجيريًا من أوائل الدول الإفريقية التي عرفت الإسلام مبكرًا، ويرجع ذلك وفق ما ذهبت بعض الروايات إلى القران الثامن الميلادي، حين دخل الإسلام شمال إفريقيا عن طريق التجار والعلماء المسلمين الذين وفدوا بهدف التجارة والدعوة، كما يعد الإسلام أول الأديان السماوية وصولا للبلاد، سابقًا بذلك المسيحية التي دخلت مع الاستعمار البريطاني.

دخل الإسلام ابتداء ناحية الشمال ومنه انتقل بسرعة البرق إلى الجنوب، ثم تشعب ليعم كافة أنحاء ومدن نيجيريا، وإن كانت نسبة المسلمين ترتفع أكثر في الشمال وتقل كلما اتجهنا ناحية الجنوب التي تعتبر الباب الأبرز لدخول الثقافة الغربية ومعها الديانة المسيحية بعد ذلك.

وتتباين الإحصائيات بشأن أعداد المسلمين في نيجيريا إلى أن التقديرات تذهب إلى أن عددهم يتراوح ما بين 80-85 مليون مسلم، يمثلون قرابة 50% من مجموع السكان، وتتصدر الطائفة السنية قائمة الطوائف الأكثر انتشارًا بين المسلمين هناك، حيث ينتمي إليها قرابة 60 مليون بنسبة 75% تقريبًا من إجمالي عدد المسلمين.

خلال السنوات الثمان الماضية فقط سقط قرابة 20 ألف شخص جراء أعمال العنف التي مارستها بعض الجماعات المسلحة وعلى رأسها “بوكو حرام”

وتحتل الصوفية المكانة الأبرز بين الحضور الإسلامي في البلد الإفريقي، حيث يميل الغالبية العظمى من مسلمي نيجيريا إلى الانتماء إلى إحدى الطرق الصوفية، التي كان لها دور بارز في انتشار الإسلام في ظل الجهود التي تبذلها لتعميق مشاعر الانتماء الديني في نفوس المسلمين عبر العديد من الأنشطة والممارسات.

وفي هذه الحلقة من ملف “التدين الناعم” نلقي الضوء على أبرز ملامح الصوفية في الدولة النيجيرية، وكيف حققت هذا الانتشار الكبير مقارنة بغيرها من الفرق الأخرى، هذا بجانب توظيفها كقوة ناعمة من قبل السلطات الحاكمة لمواجهة الفكر المتطرف الذي أسقط عشرات ألالاف من القتلى على مدار السنوات الماضية.

جدير بالذكر أنه خلال السنوات الثمان الماضية فقط سقط قرابة 20 ألف شخص جراء أعمال العنف التي مارستها بعض الجماعات المسلحة وعلى رأسها “جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد” المعروفة إعلاميًا بـ “بوكو حرام“، الأمر الذي دفع الحكومة إلى البحث عن استراتيجيات عدة لتفكيك هذا المشهد المعقد الذي يواصل نزيفه المستمر منذ نشأة تلك الجماعات في 2002 وحتى اليوم.

الصوفية.. حضور قوي

تتميز الصوفية بحضور قوي وفعًال داخل الأوساط المجتمعية النيجيرية، ورغم تعدد الطرق المعتمدة هناك، إلا أن أشهر طريقتين حققتا نجاحا وانتشارًا كبيرًا هما «التيجانية» و«القادرية»، وقد سُميت الأولى كذلك نسبة إلى «أبوالعباس أحمد بن محمد بن المختار بن سالم التيجاني» (1737-1815)، أما الثانية فأخذت اسمها من عبدالقادر الجيلاني (1078 – 1166)، وينتشر أتباعها في بلاد الشام والعراق ومصر وشرق أفريقيا.

في دراسة تحت عنوان ” الطريقة التيجانية و دورها في نشر الثقافة العربية الإسلامية في نيجيريا” للباحث النيجيري موسى أبيكن، الأكاديمي بجامعة ولاية كوغي إينبا، نيجيريا، تناول بالتأصيل التاريخي معرفة النيجيريين بالطرق الصوفية وعلى رأسها التيجانية، وكيف حققت جماهيرية كبيرة من الشعب النيجيري.

الدراسة كشفت أن النيجيريين كانوا يتمسكون بأوراد تلك الطرق بشكل يومي لعدة أسباب، اعتقادا منهم أن لها تأثير قوي في استجابة دعواتهم، بجانب فطرة التدين في نفوس الشعب النيجيري، تشدد العلماء في ضرورة الأخذ بالتجويد لقراءة القرآن فكان الطلاب يهربون من ذلك إلى حفظ الأوراد على أعتاب جلسات الصوفيين.

يتسم علماء التيجانية في نيجيريا بالنضوج العلمي، إذ أن أغلب الذين يفتتحون معاهد تعليمية وكيانات دراسية في البلاد هم من أتباع الصوفية

لم يُعرف تحديدًا متى دخلت التيجانية نيجيريا، لكن بعض المؤرخين يرجعونها إلى أيام الدولة العثمانية، فيما تشير الروايات التاريخية إلى أن معرفة النيجيريين بالتيجانية يعود الفضل فيها إلى الحاج عمر الفوتي، الذي تتلمذ على يد الشيخ علي حرازم، أول من نشر التيجانية في السنغال.

ومما ساعد على انتشار هذه الطريقة كثرة زيارة شيوخ الصوفية الكبار من الخارج وعلى رأسهم حفيد الشيخ أحمد التيجاني، السيد بن عمر التيجاني، الذي زار البلاد عام 1949، حيث استقبل بحفاوة كبيرة كان لها أبلغ الأثر في انتشار هذه الطريقة بصورة كبيرة بين أوساط النيجيريين.

ويتسم علماء التيجانية في نيجيريا وفق ما ذهب أبيكن، بعدد من الصفات، على رأسها النضوج العلمي، إذ أن أغلب الذين يفتتحون معاهد تعليمية وكيانات دراسية في البلاد هم من أتباع الصوفية، ومنهم الشيخ طاهر عثمان بوثي، الشيخ عبد القادر الغسوي، والشيخ يوسف عبدالله اللكوجي.

كذلك يعود الفضل في غزارة الانتاج الأدبي والفكري والتأليف في مجال الفنون العربية والإسلامية إلى الصوفيين، فقد كتبوا في الفقه والأدب واللغة والعروض، بعضهم زادت مؤلفاته عن مائة كتاب منهم الشيخ عبدالله بن فوديو الفلاني، وأخيه عثمان الفلاني، والسلطان محمد بلوو غيرهم.

ومن السمات التي يتميز بها علماء التيجيانية هناك مؤهلاتهم الكبيرة في نشر الدعوة الإسلامية، فتحول معظم المنتسبين لهذه الطريقة إلى دعاة يتميزون بفصاحة اللسان وبلاغة البيان وقوة الحجة، ويقسم الدعاة في نيجيريا إلى 3 أنواع، الأول من يعقد الجلسات في بيته ويلقي على مسامع الناس كلام الله ورسوله، الثاني: المتنقل الذي ينتقل بدعوته من بلد إلى آخر، أما الصنف الثالث فكان يدعو إلى الله بالأشعار والمقاطع الصوتية والتي كانت تلقى استحسانا كبيرًا من قبل المريدين.

ساعدت الصوفية على نشر الثقافة الإسلامية والعربية في نيجيريا خصوصا وغرب إفريقيا بوجه عام، حيث ساعد استقدام مشايخها من بعض دول العالم الإسلامي على تعليم اللغة العربية بين الشعب النيجيري، فكانت الصوفية هنا تقوم بدور دعوي تثقيفي كبير، ومن أشهر العلماء الذين قاموا بهذا الدور الشيخ إبراهيم إنياس السنغالي، الذي يعود له الفضل في معرفة شعوب غرب القارة بالثقافة الإسلامية.

قوة ناعمة في مواجهة التطرف

القى الصراع بين الحكومة النيجيرية والجماعات المسلحة بظلاله القاتمة على الشارع الأمني، فحصد العديد من الأرواح هنا وهناك، بدءًا من تأسيس جماعة بوكو حرام عام 2003 في ولاية بورنو بشمال البلاد بزعامة محمد يوسف،حين بدأت عملياتها ضد المؤسسات الأمنية والمدنية النيجيرية.

وتبنى النظام الحاكم العديد من الاستراتيجيات الأمنية في مواجهة تلك الجماعات غير أن معضلة هامة حالت دون تحقيق الأهداف المنشودة، تتعلق بزيادة أعداد المنتسبين لتلك الكيانات المسلحة لاسيما من الشباب، وهو ما دفع السلطات إلى التيقن أن الحل ليس أمنيًا فقط، ولابد من وقف التزايد الكمي لحجم تلك الجماعات من خلال مواجهة الفكر بالفكر.

دشن التيجانيون بعض الفعاليات التي من شأنها استقطاب الشباب وإثناءه عن الفكر المتطرف، حيث احتضنوا العشرات منهم من خلال قوافل دعوية

ولم تجد الدولة من الطرق الصوفية بديلا للقيام بهذا الدور، غير أن حالة الانقسام التي شهدتها العلاقات بين أكبر طريقتين، التيجانية والقادرية، كان بمثابة حجر عثرة أمام تنفيذ تلك المهمة، ويعود هذا الانقسام إلى التصريح المثير للجدل الصادر عن شيخ القادرية في نيجيريا عبدالجبار محمد ناصر كبرا، حين قال في مداخلة له خلال ندوة للزاوية البصرية في بني ملال المغربية في 2016: «إن شعب نيجيريا لو خُيِّر بين البقاء كدولة مستقلة في ظلِّ الأوضاع غير المستقرة أو الانضمام كولاية تابعة للملك محمد السادس، لاختار أن ينضم دون تردد إلى المغرب»، وهو ما أحدث ضجة كبيرة مع التيجانية، رغم توضيح البعض أنه – أي التصريح – جاء من باب المجاملة لملك المغرب لا أكثر.

ومع تزايد الوجود السلفي داخل البلاد وانضمام بعضهم إلى الجماعات المسلحة، طالب مشايخ التيجانية الرئيس النيجيري محمد بخاري، بالمشاركة في الحرب الفكرية والثقافية المعلنة ضد بوكو حرام، مستعينين في ذلك بفروعهم في بعض الدول العربية والإفريقية وحشد جهودهم الدبلوماسية لتضييق الخناق على الجماعة وأنشطتها.

كما دشن التيجانيون بعض الفعاليات التي من شأنها استقطاب الشباب وإثناءه عن الفكر المتطرف، حيث احتضنوا العشرات منهم من خلال قوافل دعوية، قدموا من خلالها جرعات دينية مكثفة عن الإسلام الوسطي ونبذ العنف والتطرف، وتجريم الاعتداء على المسلمين أيا كانت الدوافع والمبررات.

علاوة على ذلك فقد استقدموا بالتعاون مع المؤسسات الرسمية في بلادهم بعثات دينية من بعض بلدان العالم المختلفة، إضافة إلى استضافة بعض الرموز الدينية التي تحتل مكانة كبيرة في نفوس الشباب النيجيري، وهو ما كان له أثر جيد على نفوس الشباب، حيث أثر ذلك بشكل أو بأخر على المستوى الكمي لأعداد المنتسبين للجماعات المتشددة.