16/10/2021

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

الروهينجا ..أكثر المجموعات المضطهدة على الأرض

محمد أحمد كيلاني

 
“أعلم أن أحلامي لن تتحقق أبداً ” هكذا قال محمد الفتى البورمي المسلم الذي لا يتجاوز عمره السبع سنوات حينما سألته أحد الصحفيات عن أحلامه وماذا يريد أن يصبح في المستقبل وكانت إجابته في بداية حديثة طبيعية و بأنه يريد ان يُصبح طبيباً ولكن سرعان ما ذكر تلك الجُملة المؤثرة ، ولعلنا نستنتج من لسان الفتى ان ما رأته عينيه لم يكن اقل من الجحيم نفسه ، ولكن محمد ليس الوحيد فهنالك اكثر من نصف مليون طفل روهينجي في طي النسيان بسبب دينهم الاسلامي ، وفي هذا المقال من بيسداتا نتعرف على شعب الروهينجا وما يتعرضوا له من انتهاكات وتجاوزات جعلت من قضيتهم احد أشهر قضايا الجُرم في العالم.


ميانمار حديثاً او بورما قديماً هي دولة ذات اغلبيه بوذية مع أقليات مسيحية ومسلمة تقع في قاره اسيا وتحديداً في جنوب شرقها ، وفي عام ١٩٨٩ تم تغيير الاسم حينها من اتحاد بورما الذي كان موثق منذ عام ١٨٨٥ إلى اتحاد ميانمار.

 
في البداية كيف بدأت قصه المسلمين في بورما
 

بالتحديد خلال الاستعمار البريطاني لبورما في عشرينيات القرن التاسع عشر عندما شجعت الحكومة البريطانية العمال المهاجرين للقدوم إلى ميانمار والعمل في حقول الارز ، وكان شعب الروهينجا يعيش في البلاد المجاورة لميانمار ، وبعدما هاجروا الى ميانمار للعمل فيها وخلال عامي ١٨٧١ و١٩١١ زادت اعدادهم وتضاعفت ثلاث مرات عن ما كانت عليه في العشرينيات ، وشعب الروهينجا خلال فتره الاستعمار البريطاني كان من اشد المؤيدين لبريطانيا وفي المقابل وعد الانجليز بمنحهم اراضي داخل ميانمار ، ولكن ذلك لم يدُم طويلا ففي عام ١٩٤٨ حصلت ميانمار على استقلالها وجاءت حكومة لتحكم البلاد بما فيهم شعب الروهينجا الذي لم يؤيدهم منذ توليهم زمام الحكم.

الحكومة الجديدة كانت بوذية الديانة وهذا ما دفع شعب الروهينجا المسلم إلى المطالبة بالاستقلال عن ميانمار وتكوين موطن جديد لهم ، ولكن هذا ما قوبل بالرفض من الحكومة الجديدة بل ووصفت الروهينجا بالاجانب ثم حرمتهم من الجنسية بعد ذلك ، وهذا ما دفع شعب الروهينجا الى التمرد ضد الحكومة التي كانت تتعامل مع كل معارض لها باشد انواع العنف والسحق ، ومنذ ذلك الحين والروهينجا يتعرضون الى دورات من الانتهاكات الممنهجة المستمرة حتى زمننا هذا.


الانتهاكات ضد المسلمين والأقليات الآخرى

 
بعد انقلاب بورما عام ١٩٦٢ تغير الوضع تماماً ، ولأن ميانمار ذات أغلبية بوذية تم استبعاد معظم المسلمين وحتى المسيحيين من الجيش والمناصب الحكومية وفي عام ١٩٨٢ سنت الحكومة قوانين تحرم اي مواطن من الجنسية إذا لم يثبت اصله البورمي من قبل عام ١٨٢٣ وهذا ما ادى إلى حرمان اغلب المسلمين من جنسيتهم على الرغم من انهم عاشوا في ميانمار لعده أجيال متعاقبة ، ومنذ عام ١٩٤٨ نفذت حكومات ميانمار اكثر من ١٣ عمليه عسكرية ضد مجموعات الروهينجا المسلمة وذلك في اعوام ( ١٩٧٥ – ١٩٧٨ – ١٩٨٩ – ١٩٩١ – ١٩٩٢ – ٢٠٠٢) تمت خلالها انتهاكات جسيمة ، منها طرد الروهينجا من أراضيهم وإعادة تخصيصها للبوذيين وتدمير المنازل واحراق المساجد وعمليات نهب واغتصاب واسعة النطاق والتعذيب وسوء المعاملة وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء، وفرض ضرائب تعسفية وقيود مالية على الزواج ، وحتى بعيداً عن اوقات العمليات العسكرية فمسلمي الروهينجا يتعرضون لعمليات ابتزاز ومنهم من يُجبر على العمل القسري.

 
أحداث ولاية راخين عام ٢٠١٢
 
تعتبر الجالية المسلمة في شمال ولايه راخيين بميانمار من بين اكثر الجاليات تعرضاً للاضطهاد ويتعرضون لجميع اشكال التعسف والعنف يومياً من قِبل الحكومة ، وفي اكتوبر عام ٢٠١٢ اندلعت اشتباكات بين البوذيين والمسلمين في ولاية راخين ، والسبب الاكبر لهجوم البوذيين كان لسياق تصاعد القومية البوذية ولحركه (٩٦٩) المتعصبة والداعية إلى مقاطعة الشركات المسلمة ونبذها ، واسفرت الاشتباكات عن مقتل مايقارب ال٢٠٠ شخص وتم تشريد اكثر من ١٤٠ الف شخص اخر اغلبهم من المسلمين وحتى يومنا هذا ولاتزال مجتمعات المسلمين في راخين منعزله والأوضاع الإنسانية لهم ليست جيدة على الإطلاق. ومنذ تلك الأحداث والعنف مستمر وينتشر إلى أنحاء اخرى داخل ميانمار وأيضاً الكراهية للمسلمين في ازدياد ، وهذا كله بسبب غياب الدور الحكومي الفعال لتغيير المواقف الاجتماعية.

 
أحداث بلده ميكيلا عام ٢٠١٣
 

في بداية عام ٢٠١٣ وقع نزاع صغير في متجر ببلده ميكيلا ولكنه سرعان ما تطور الى أعمال عنف وحشية ضد المسلمين ومن أسباب التهاب الموقف ان قبل الكل الأحداث بأيام قليلة تم قتل راهب بوذي ، ومع يومين من أحداث الشغب من قبل اكثر من ١٠٠٠ شخص كانت نتائج الصراع جسيمة بتدمير واسع النطاق للأحياء المسلمة هناك ، وقد لقي ٤٤ شخصاً مصرعهم من ضمنهم ٢٠ طالب ومعلم لقوا مصرعهم بعد هجوم مجموعة من البوذيين على مدرسة إسلامية. وأيضاً كأحداث راخين غاب دور الشرطة في إخماد النيران ضد المسلمين وأدان المجتمع الدولي ذلك ، ويرجح البعض ان الشرطة كانت متواطئة في تلك الأحداث بسبب اغلبيتها البوذية.

 
أحداث عام ٢٠١٧
 

شن جيش ميانمار في أغسطس من عام ٢٠١٧ حملات منظمة وممنهجة من الإرهاب والقتل والاغتصاب ضد المسلمين مما أدى إلى قتل مايزيد عن ال ١٠ الاف شخص من مسلمي الروهينجا وفرار أكثر من ٧٣٠ الف اخرين ، تلك العمليات العسكرية من قبل الجيش اتت بعدما قامت مجموعة مسلحة من مسلمي الروهينجا والذين يُطلقون على أنفسهم (جيش إنقاذ الروهينجا او حركه اليقين ) بشن مجموعة من الهجمات على مواقع تابعة للجيش والشرطة في ميانمار وتحديدا في ولاية راخين وتسببت تلك الهجمات في مقتل حوالي ال٧٠ شخص من قوات الجيش والشرطة ، ورداً على ذلك شنت قوات الجيش تلك العمليات الوحشية ضد المسلمين بحجة محاربة الإرهاب في راخين. قوات الجيش بالإضافة لقتلها واغتصابها للآلاف قامت أيضاً بحرق القرى وقتل المدنيين العزل بشكل عشوائي ( فقط لأنهم مسلمين) وهذا ما ذكرته منظمة الأمم المتحدة عندما قالت ان ما يحدث في ولاية راخين هو مثال فعلي للتطهير العرقي. 


من جحيم ميانمار الى ضياع بنجلاديش
 

أدى العنف المتزايد ضد المسلمين في ميانمار إلى أزمة إنسانية في بنغلاديش المجاورة ، حيث يقيم ما يقارب المليون من الروهينجا في مخيمات انقاذ على الشريط الحدودي ، ويبدو ان أوضاعهم هناك ليست بالجيده رغم بذل حكومة بنجلاديش قصارى جهدها لإدارة ازمة اللاجئين بأنشائها جهاز خاص لإرسال المساعدات وأيضاً أرسلت بعض الجنود لحماية مخيمات الروهينجا التي تقع في منطقة حدودية غير مأهولة ومفتقره لأي مؤهل من مؤهلات الحياة ، وعلى الرغم من الجهود المبذولة من قبل حكومة بنجلاديش الى أنها لم تستطع السيطرة على قضايا أخري كألامراض المعدية مثل مرض الخناق الفيروسي او التهاب الحنجرة المنتشر داخل المخيمات والذي اودى بحياه ما يقارب ال٥٠ لاجئ ، وأيضاً تلوث الطعام وسوء التغذية.

أما عن أوضاع الاطفال في المخيمات وعلى الرغم من أن بعضهم يتلقون الدروس بدوام جزئي في المدارس الإسلامية او مجموعات المساعدة إلا أن أطفال الروهينجا القاطنين بمخيمات اللاجئين لايسمح لهم الالتحاق بالمدارس الحكومية البنجلاديشية وأيضاً يتم حرمانهم من اي نوع من أنواع التعليم الرسمي، اي انهم لن يتمكنوا من الحصول على اي درجة او شهادة علمية.
 
زعيمة ميانمار أون سان سو تشي
 
أون سان سو تشي هي رئيسة وزراء ميانمار منذ عام ٢٠١٦ ، وهي حاصلة على عده جوائز منها جائزة نوبل للسلام عام ١٩٩١ ) لصراعها من اجل حقوق الإنسان( واستُبشر المجتمع الدولي بتوليها زمام الأمور في ميانمار وتوقع الجميع ان تدخل ميانمار عهد جديد خالي من التعصب والشغب ، ولكن في عامها الاول (٢٠١٦) استمرت أعمال الشغب وأيضاً في عام ٢٠١٧ كما ذكرنا سابقاً لتسقط الزعيمه الاخلاقية من اعين المُستبشرين فيها خيراً ، فكيف ردت الزعيه على اتهام المجتمع الدولي لها ولدولتها
ففي جلسة ” لاهاي” كان اول رد للزعيمه سو تشي ان تهمة الاباده الجماعية في حق ميانمار مضللة وغير حقيقية لان مايحدث ليس إلا عنف بين جميع قبائل ميانمار ومتأصل من الاربعينيات اي ان مجموعات الروهينجا ليست الوحيدة المضطهدة ، وجميع عمليات الجيش ليست سوى حملات لمكافحة الإرهاب ضد المجموعات التي تهاجم الروهينجا وليس العكس (ان الجيش هو من يهاجم الروهينجا)
وأصدرت الأمم المتحدة في سبتمبر من عام ٢٠١٨ تقريراً مفصلاً عن عمليات اباده لمسلمي الروهينجا من قِبل حكومه ميانمار ومطالبين فيه بمسائله القيادة العسكرية عن الابادة الجماعية ، ومنذ إنشاء الأمم المتحدة لم يتم إتهام إلا عدد قليل جدا من الدول بتهمة الإبادة الجماعية في حق شعبها ، فبألاضافة لميانمار فقد اتهمت الأمم المتحدة يوغوسلافيا ورواندا فقط.
تقرير الأمم المتحدة لفت أنظار العالم وهذا ما قوبل بالدفاع من قبل زعيمة ميانمار ، وما زاد الطين بلة تجاه سو تشي انه تم اتهام حكومتها المدنية بقضية محاكمة الصحفيين.
 
دور حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية
 
لم يتمكن حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية والذي ترأسه بشكل غير رسمي الزعيمة سو تشي )الحزب الحاكم في ميانمار ( في معالجة أوضاع وقضايا مسلمي الروهينجا ، ولعلنا نذكر هنا أنهم لم يسمحوا لشعب الروهينجا من المشاركه والتصويت في الانتخابات ! كيف هذا وهو حزب ترأسه زعيمة أخلاقية افنت الكثير من عمرها في الصراع من اجل حقوق الإنسان.
وفي أغسطس عام ٢٠١٦ عُقد مؤتمر للسلام الوطني في ميانمار وكان جُل هدفه ان يعمل على وجود حلول لأنهاء عقود من القتال بين الجيش وعدد من الجهات المسلحة والذي دام لعقود ، ولكن جاءت المفاجأة فلم يتم دعوة ممثلي الروهينجا للحضور في المؤتمر وهذا ما أثار حفيظة الكثيرين فكيف لا يتم دعوة أكثر المجموعات آثاره واضطهاد.
وعلى ما يبدو ان النزاع في ميانمار ليس بالأمر الجديد فهي دولة نشأت من رحم النزاعات الممتدة في التاريخ الاستعماري وحتى الديموغرافي للبلاد ، وإذا لم تجد حكومة ميانمار او المجتمع الدولي حلول لقضية الروهينجا فقد تشهد ميانمار او دولها الجاره كوارث قد تتخطى تلك التي حدثت بالفعل.