27/11/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

صراع قوى التغيير وأرث وشبح الدولة القديمة

فاطمة غزالي

يبدو أن شبح أرث الدولة القديمة مازال يهدد مرحلة مابعد الثورة السودانية العظيمة التي أرتوت أشجارها من دماء الشهداء ودموع الشعب السوداني ، ثورة وضعت بكل ما أوتيت من القوة القيم والمبادئ الجديدة في عالم التحرر والانعتاق من الطغاة، شاهدنا بعض من هذه القيم السودانية  في التظاهرات ضد العنصرية التي إندلعت  في المدن الأمريكية عقب مقتل المواطن الأمريكي من أصل أفريقي  جورج فلويد من قبل ضابط شرطة مينابولس ” ديريك تشوفين”. 

بعيداً عن مظاهر العنف التي شهدتها بعض المدن الأمريكية إلا أن الجزء الممتلئ من الكأس تمثل في السلمية والشعارات التي تناهض العنصرية  و تطالب بالعدالة،و تنادي بالمساواة ، والرسومات التي تحمل صورة  فلويد وكلماته  قبل وفاته ” لا استطيع التنفس “. التلاحم الاجتماعي بين المجتمع الأمريكي بكل التنوع الإثني رسم صورة إنسانية جميلة  أشبه بما كان في ميدان اعتصام القيادة في السودان قبل أن تغدر بها الأيادى الملوثة بدماء الشهداء.

بفخر عظيم الثورة السودانية شكلت  الوجدان الثوري السوداني المشترك  فأسس مدرسة نضال أبهرت العالم خلقت قيمة إضافية للمفهوم الثوري السلمي الذي دك  حصون الديكتاتورية الإنقادية الإسلاموية التي ظن طغاتها أنهم  ماكثون فيها حتى يرث لله ومن عليها.  ثورة بهذه القيم الإنسانية ( حرية سلام وعدالة) لا يمكن أن نسقطها  بالأجندة  والصراعات الشخصية أو الحزبية التي ترعد وتبرق في سماء المشهد  السياسي السوداني.

قطعاً هذه الخلافات تنذر بطوفان لا تعصم الوطن من قسوته جبال من الدعوات ولا بحور من النوايا الحسنة إذا ما هبطت علينا لعنة المُهج  والأرواح التي قُدمت قربانا للحرية..  أرواح شباب لم يخونوا عهداً ولم يخدعوا  وطناً .كمال قال الشاعر فاروق جويدة في قصيدته (كأن العمر ما كان ):  قدمت ُروحك للأحلام قربنا ما خنت عهداً… ولا خادعت إنسانا. من المؤسف جداً بل المحزن ألماً أن  تصبح تضحيات الشهداء والمناضلين  ثمنا يدفعه بعض الساسة  توطئة  لبيع الوطن في( مزاد علني) لإرضاء رغباتهم في في المعارك السياسية ، أوتماهياً مع الاستقطاب الإقليمي  والدولي الذي يعمل على تفتيت  قوى التغيير خاصة تجمع المهنيين كما جاء على لسان القيادي السابق بتجمع المهنيين الصحفي علي الدالي الذي أطلق في الهواء الطلق متهماً دولة خليجية بالتورط في تفتيت تجمع المهنيين بجانب خطة  التنظيم العالمي للأخوان المسلمين ومحاولته في تفكيك تجمع المهنيين.

التنافس الدولي بين الطامعين  في إدارة السودان بأجندتهم  الخاصة ، والموظفين قدراتهم لدعم تنظيم النظام البائد لصالح إجهاض الثورة يلعبون على التناقضات غير المفهومة  بين قوى التغيير.حالة التصدع التي تسرى ببطء في جسد قوى التغيير لا تُسر ، ومن الأهمية بمكان أن تأخذ قوى التغيير بعين الاعتبار دورها  المهم في هذه المرحلة في إطار تثبيت الأسس الديمقراطية لتكون واقعاً معاشاً، ودولة الديمقراطية هي الهدف الجوهري الذي من أجله قامت الثورة وأهداف  الثورة وثورية الشباب وتمسك الشعب بحريته ينبغي أن تكون مصدراً لإيقاظ بعض الساسة من حالة الغفلة ومعيناً لإخراجها من قاع الأوضاع الهلامية في دنيا التسابق  السياسي والصراع الفكري حول( من يتملك القوة؟) في تحريك المشهد السياسي لتشكيل التغيير وفقاً لمصالحه الحزبية والتنظيمية.

معلوم أن للتغيير مبادئ وضعتها الثورة ومحروسة بإرادة وشرعية الشعب ،إذاً من الصعوبة بمكان لأي تنظيم سياسي أن يفرض أفكاره  أو يمارس أنشطته خارج إطار مطالب الثورة الحرية والسلام والعدالة وبالتالي لا معنى للصراع بين قوى التغيير.من المهالك السياسية أن يتحرك العقل الجمعي السياسي السوداني في أطار الخضوع لمرحلة  (صراع  القوى) الذي يواجه  الخطوة الأولى في طريق  نجاح الثورات الشعبية التي توفر البيئة الملائمة لانفجار  بركان التنافس والاستقطاب والتسابق السياسي  الداخلي والخارجي من جانب،  وتنشيط مؤامرات النظام البائد من جانب اخر، الشاهد الآن أن فلول النظام تسغل هذه المرحلة وتلعب دوراً جوهرياً في صناعة الأوضاع الهلامية  وخاصة أنها   تسعى لتحسس مواطن الخلل والتعرف على أماكن  الضعف في القوى السياسية لاضعاف الفترة الانتقالية.

في الحالة السودانية كنا نظن أن وعي القوى السياسية أكبر من ينجرف في وحل الخلافات التي  تشكل مصدر تهديد للثورات إلا أن الصراعات التي إندلعت داخل كيان تجمع المهنيين الجسم الذي قاد الثورة إلى نحجت في اسقاط النظام ينذر بخطورة داء غياب القدرة على  العمل المشترك لفترة طويلة  وهذا من شأنه يعرقل مسارات التغيير فبدلاً من أن تنصب الجهود في كيفية تحقيق مطالب الثورة  تتجه مؤشرات العمل في كيفية رتق الجراحات بين قوى التغيير ويبدو واضحاً أن  الحديث عن الخلافات والصراعات سيطر على المشهد السياسي.

الحقيقة التي لا ينبغي إنكارها أو الهروب منها، وهي أن العقل الجمعي للقوى السياسية يحتاج إلى إجراء عملية جراحية  تستأصل الورم الخبيث للتنافر السياسي الذي يخلق معارك في غير معترك. الحق يقال إن حالة التنافر بين قوى التغيير  لا تعبر عن روح الثورة، لا تتناسب مع  تضحيات الشعب التي دفعها ثمناً للتغيير، فالصراعات السياسية  المتعددة الأطراف بين قوى التغيير مفيدة لأي طرف من الأطراف  خاصة حينما يصبح الوضع السياسي تحت سندان الاستقطاب الدولي ومطرقة مؤامرات  النظام البائد.

الخيار الوحيد للحفاظ على الثورة هو أن تتسامي  قوى التغيير  فوق الخلافات والجراحات من أجل تحقيق مكاسب الثورة بوضع الأسس الديمقراطية التي تحقق شعار ( حرية ، سلام وعدالة) وهذه المبادئ تكفي  لتضميد جراحات الوطن القديمة المتجددة. التناغم بين مكونات قوى التغيير يعني كسب رهان نجاح الفترة الانتقالية ونجاحها أي الفترة الانتقالية  في رسم خارطة الطريق للسودان المشرق يفرض على  الجميع السياسية التعامل بمسؤولية تتوافق مع قيمة التغيير وطموحات الشعب في رؤية وطن مبرأ  من أرث الدولة القديمة.