بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

في إثيوبيا سد يبحث عن حل!

بقلم: حاتم عبد القادر

تطورت أزمة “سد النهضة” الإثيوبي بين أطرافها الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، لتنتهي اجتماعات، أول أمس الأربعاء، لوزراء الري والمياه في الدول الثلاثة إلى المربع صفر مجددا، بسبب تعنت الجانب الإثيوبي المُصر على ملئ خزان السد الشهر المقبل بإرادة منفردة.

لقد شهدت الأيام القليلة الماضية تحركات سريعة وتصريحات مستفزة من الجانب الإثيوبي أبرزها تصريحات رئيس الحكومة الإثيوبية آبي أحمد بالشروع في عمليات ملئ الخزان والتي تستلزم في مرحلتها الأولى 4.9 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل دون الرجوع سواء وافقت مصر أو السودان أم لا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وفي استعراض للإصرار الإثيوبي وإمعانا في الاستفزاز راح عدد من وزراء الحكومة الإثيوبية وممثل من الجيش الإثيوبي بزيارة للسد وقاموا بنشر صور للزيارة على  موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، في إشارة واضحة أن إثيوبيا ماضية في طريقها للانتهاء من بناء سد النهضة وملء الخزان وفق المواعيد المقررة من الجانب الإثيوبي.

وبناء على تحركات وتصريحات الحكومة الإثيوبية اجتمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمجلس الأمن القومي المصري لبحث تداعيات أزمة سد النهضة وفق تحركات الجانب الإثيوبي، وصدر بيانا عقب الاجتماع أكدت فيه مصر تمسكها بالحلول الدبلوماسية وفق محددات القانون الدولي الذي يؤكد حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل، كما أكد البيان استمرار مصر في تبنيها الحلول السياسية وأنها لن تتطرق إلى الحلول العسكرية والتي يحرض البعض عليها، وهو الأمر الذي يظهر احترام مصر لحق إثيوبيا في التنمية وإقامة سدها ولكن في نفس الوقت مع مراعاة الجوانب الفنية المتعلقة بعوامل الأمان والسلامة والحفاظ على حق مصر في المياه.

في التقرير التالي تستعرض “بيسداتا” آخر تطورات أزمة “سد النهضة” بين أطرافها الثلاثة والحلول الممكنة وفق مستجدات الأحداث وتداعياتها.

آخر التحركات

اجتمع وزراء الموارد المائية بالدول المعنيين بأزمة سد النهضة يوم الأربعاء الموافق 17 يونيو الجاري عبر آلية “الفيديوكونفرانس” لبحث آخر التطورات قبل إقدام الطرف الإثيوبي على ملئ خزان السد في مرحلته الأولى بـ”4.9 مليار متر مكعب من مياه نهر النيل” طبقا لما صرح به رئيس الحكومة الإثيوبية مؤخرا.

  وفي أعقاب الاجتماعات صرح الدكتور محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري في مصر، أن مفاوضات سد النهضة التى أجريت على مدار الفترة الماضية لم تحقق تقدم يذكر، وذلك بسبب المواقف الإثيوبية المتعنتة على الجانبين الفني والقانوني، حيث رفضت إثيوبيا خلال مناقشة الجوانب القانونية أن تقوم الدول الثلاث بإبرام اتفاقية ملزمة وفق القانون الدولي، وتمسكت بالتوصل إلى مجرد قواعد إرشادية يمكن لإثيوبيا تعديلها بشكل منفرد.

وقال الوزير في بيانه: سعت إثيوبيا الى الحصول على حق مطلق فى اقامة مشروعات في أعالي النيل الأزرق، فضلاً عن رفضها الموافقة على أن يتضمن اتفاق سد النهضة ألية قانونية ملزمة لفض النزاعات، كما اعترضت إثيوبيا على تضمين الاتفاق إجراءات ذات فعالية لمجابهة الجفاف.

وأوضح الوزير، أنه رغم طول أمد المفاوضات على مدار ما يقرب من عقد كامل، إلا أن مصر انخرطت في جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها السودان الشقيق بحسن نية سعياً منها لاستنفاد واستكشاف كافة السبل المتاحة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يؤمن لأثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من هذا المشروع، مع الحد، في الوقت ذاته، من الآثار السلبية والأضرار التي قد يلحقها هذا السد على دولتي المصب.  ولكن للأسف، استمرت أثيوبيا فى مواقفها المتشددة.

وبحسب البيان، فقد اعترضت أثيوبيا في ختام اجتماعات وزراء الري على اقتراح بأن تتم إحالة الأمر إلى رؤساء وزراء الدول الثلاث كفرصة أخيرة للنظر في أسباب تعثر المفاوضات والبحث عن حلول للقضايا محل الخلاف، مما أدى إلى انهاء المفاوضات.

واختتم الوزير المصري بيانه بالإعراب عن التقدير العميق لمبادرة جمهورية السودان الشقيق للدعوة لهذه الاجتماعات ومساعيه الجادة لدعم المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق.

من جانبها أصدرت وزارة الري السودانية بيانا أكدت فيه نشوب خلافات مفاهيمية حقيقية بين مصر وإثيوبيا والسودان بشأن عدد من القضايا المتعلقة بسد النهضة، على رأسها مدى إلزامية الاتفاق وآلية حل النزاعات وعدم ربط الاتفاق بأي اتفاقيات أخرى.

وأشار البيان إلى أن الاتفاق الحالي يفترض أن يتعلق بملء وتشغيل السد وليس بتقاسم حصص المياه بين الدول الثلاثة.

وكشف البيان طلب الوفد السوداني إحالة الملفات الخلافية لرؤساء الوزراء في الدول الثلاثة للوصول لتوافق سياسي بشأنها بما يوفر الإرادة السياسية التي تسمح باستئناف المفاوضات في أسرع وقت بعد التشاور بين وزراء الري في الدول الثلاثة.

رد أمريكي قوي

وفي مساء ذات يوم اجتماعات وزراء المياه لدول مصر والسودان وإثيوبيا، قام مجلس الأمن القومي الأمريكي بنشر رد على حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، وصفه المراقبون بـ”الرد القوي”، حيث قال في تغريدته: 257 مليون شخص في شرق أفريقيا يعتمدون على إثيوبيا في إظهار قيادة قوية للتوصل إلى اتفاق عادل بشأن النهضة، مضيفا: “حان الوقت لإبرام اتفاق قبل البدء في عمليات ملء سد النهضة بمياه النيل”.

بداية الأزمة

أزمة “سد النهضة” ليست أزمة حديثة أو تم تفجيرها من الجانب الإثيوبي في أعقاب أحداث الخامس والعشرين من يناير 2011 مستغلا الفوضى والأرض الرخوة للدولة المصرية بسبب الأحداث التي أثرت عليها سياسيا واقتصاديا وأمنيا بفعل موجة “الربيع العربي”، ولكن الأزمة بدأ التفكير فيها في الخمسينيات من القرن الماضي، إلا أن مصر بكل أنظمتها الحاكمة وقفت بشدة صلبة، رافضة المبدأ من أساسه، لتعلن إثيوبيا في مارس 2011 عن نيتها أقامة السد ومنحها عقدا بقيمة 4.8 مليار دولار لإحدى الشركات الإيطالية لتنفيذ المشروع، بشكل مباشر دون عطاءات تنافسية.

 وفي الثاني من أبريل 2011 يضع رئيس وزراء إثيوبيا الراحل ملس زيناوي حجر الأساس.

وصاحب طرح تنفيذ “سد النهضة” مجددا “اتفاقية عنتيبي” التي وقع عليها 4 دول من دول مبادرة حوض نهر النيل في مدينة عنتيبي الأوغندية في مايو 2010 وهم: إثيوبيا، وأوغندا، ورواندا، وتنزانيا في غياب دولتي المصب (مصر، والسودان).

وكانت الدول الأربعة وقعت “اتفاقية عنتيبي” بالأحرف الأولى بعد مفاوضات استغرقت حوالي 10 سنوات أو يزيد بين الدول التسعة التي يمر بها نهر النيل، بهدف تقاسم أفضل لمياهه ومحاولات الحصول على حصص أكبر، وفي حين موافقة كينيا على الاتفاقية إلا أنها لم توقعها، بينما لم يحضر ممثلو دولتي الكونغو الديمقراطية وبوروندي.

وتجدر الإشارة إلى أن مصر جمدت عضويتها في دول حوض النيل في عام 2010 كرد فعل على “اتفاقية عنتيبي”.

 وكانت إثيوبيا ترى أن اتفاقية عنتيبي تمثل لها مخرجا جيدا لإعادة توزيع المياه على دول حوض النيل في ظل رفض مصر رفضا شديدا تنفيذ مشروع “سد النهضة”.

والآن لم تعد إثيوبيا تنظر إلى “اتفاقية عنتيبي”، فقد تجاوزت هذه الاتفاقية بمراحل كبيرة بعد أن أغناها “سد النهضة” بكل ما تضمنته “اتفاقية عنتيبي” التي كانت الشرارة الأولى في إعادة طرح بناء “سد النهضة”، حيث كان الاتفاق الراسخ والتاريخي المعني بحصص مياه النيل هو الذي تم توقيعه بين مصر وبريطانيا عام 1929 وتمت مراجعته عام 1959، وهو الاتفاق الذي بموجبه تحصل مصر على 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنويا، في حين تحصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب سنويا من إجمالي مياه النهر البالغة 84 مليار متر مكعب سنويا، أي أن مصر والسودان وحدهما يحصلان على ما نسبته 87% من مياه النهر.

الفقرة “14ب”

  وفي هذا الصدد يشير الدكتور أحمد المفتي خبير القانون الدولي (عضو لجنة مفاوضات دول حوض النيل) إلى أن “اتفاقية عنتيبي” شهدت مفاوضات بدأت منذ عام 1995 وحتى عام 2012، وبحسب رؤيته يرى أنها أفضل اتفاقية لدول حوض النيل، موضحا أن الخلاف الوحيد الذي منع مصر والسودان من التوقيع عليها هى فقرة واحدة في الاتفاقية “14ب”، والتي تتحدث عن تفاصيل الأمن المائي واستخدام الاتفاقيات السابقة، وتم إحالة هذا البند إلى المنظمة التي سيتم إنشاؤها بموجب تلك الاتفاقية.

كما أوضح “المفتي”، تلك الاتفاقية تبنت كل المبادئ التي وردت في اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، وأضافت إليها أشياء جديدة، وتقدم السودان في الأسبوع الأول من شهر يوليو 2012 لتجاوز الخلاف حول المادة”14ب ” ووافقت كل دول حوض النيل على عقد اجتماع طارئ لمناقشة المبادرة السودانية لحل النقطة الأخيرة من الخلاف، وفي تلك الأثناء ظهر موضوع “سد النهضة” فتجمد الأمر حتى الآن.

إنهاء التجميد

في الاجتماع الرابع والعشرين لمجلس وزراء المياه بدول حوض النيل والذي عقد في أوغندا في يونيو عام 2017 طالبت الدول الأعضاء مصر بإنهاء التجميد والعودة للمشاركة في الأنشطة، إلا أن مصر اشترطت لإنهاء التجميد حل النقاط الخلافية في “اتفاقية عنتيبي” غير المكتملة والتي وقعت عليها دول المنبع بشكل منفرد.

موقف مصري سوداني موحد

  وبالرغم من مراواغات الموقف السوداني التي شهدتها مصر في عهد الرئيس السابق عمر البشير بشأن “سد النهضة” إلا أن مقاربات واضحة بين الموقفين المصري والسوداني بشأن الأزمة، حاليا، وقد تجلت في الاجتماعات الأخيرة بين وزراء المياه لكل من مصر والسودان وإثيوبيا.

  فقد أعلنت السودان عدم قبولها ملء خزان “سد النهضة” بشكل منفرد من إثيوبيا إلا بعد توقيع اتفاق مع مصر وإثيوبيا. وفي ذات السياق قال وزير الرى والموارد المائية السوداني، ياسر عباس، في مؤتمر صحفى، أمس الأول، إن سد الروصيرص يبعد حوالى 100 كيلومتر عن سد النهضة، مشيرا إلى أن بحيرة سد الروصيرص تمتد إلى الحدود السودانية- الإثيوبية، وتبعد 15 كيلومترًا من سد النهضة، ولفت إلى أن السعة التخزينية لسد النهضة 74 مليار متر مكعب، وهى تساوى 10 أضعاف السعة التخزينية لسد الروصيرص، وأكد: «ما لم يتم التنسيق، فإن هنالك مخاطرة في تشغيل سد الروصيرص»، بحسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء السودانية «سونا»، وأكد الوزير موافقة السودان على إنشاء سد النهضة باعتباره مبدأً أساسيًا في القانون الدولى للاستخدام «المنصف والمعقول» من غير إحداث أثر ذى شأن، منوها بمواصلة السودان في التفاوض بنفس المبدأ، وجدد التزام الحكومة بمراعاة مصلحة السودان في جميع مراحل مفاوضات سد النهضة التي لا تتعارض مع مصلحة مصر وإثيوبيا.

حلول ومراواغات

بالرغم من تمسك مصر بالنهج الدبلوماسي وحرصها على التفاوض مع الجانب الإثيوبي وإقرارها بحق إثيوبيا في إقامتها السد لتحقيق التنمية المطلوبة بما لا يؤثر على حقوق مصر التاريخية في مياه نهر النيل، إلا أن الجانب الإثيوبي يظهر في كل مرة مراوغته وعدم حسن النوايا والمضي قدما بشكل منفرد في تنفيذ السد وإجراءات الملء بشكل منفرد، وهو ما تعترض عليه مصر، حيث أكدت على ضرورة التزام إثيوبيا بالنواحي الفنية لعمليات التشغيل للسد وملء الخزان، وإثباتا لحسن النوايا وقعت على اتفاقية المبادئ في العاصمة السودانية الخرطوم في 23 مارس عام 2015.

واستمرارا لرغبة مصر في التوصل إلى حل مرضٍ لكل الأطراف قبلت بالوسيط الأمريكي الذي استضاف مفاوضات واشنطن، وفي الجولة الأخيرة لم يحضر الطرف الإثيوبي بعد الاتفاق على حوالي 90% من النقاط الخلافية بين كل من مصر والسودان وإثيوبيا.

وأعلن منذ يومين وزير الري والموارد المائية المصري دكتور محمد عبد العاطي أن إثيوبيا استمرت في مواقفها المتشددة، رغم طول أمد المفاوضات على مدار ما يقرب من عقد كامل، بينما انخرطت مصر في جولة المفاوضات الأخيرة التي دعا إليها السودان بحسن نية سعياً منها لاستنفاد واستكشاف جميع السبل المتاحة للتوصل إلى اتفاق عادل ومتوازن حول سد النهضة، بما يؤمّن لإثيوبيا تحقيق أهدافها التنموية من هذا المشروع، مع الحد، في الوقت ذاته، من الآثار السلبية والأضرار التي قد يلحقها هذا السد بدولتى المصب.

وعلى الرغم من إعلان مصر، أول أمس الأربعاء، انتهاء الجولة الأخيرة من المفاوضات دون التوصل إلى نتيجة بسبب التعنت الإثيوبى، ذكرت وزارة المياه والري والطاقة الإثيوبية في بيان نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية «إينا» أمس، أنه تم حل أبرز القضايا الفنية من خلال المفاوضات، وأضافت أن استكمال المفاوضات يتطلب حل القضايا القانونية.

“سد النهضة” أصبحت قضيىة شائكة في ظل تخوفات خبراء المياه الذين أنذروا بتوقعات حدوث الفقر أو الشح المائي في منطقة الشرق الأوسط والتي ستؤدي إلى إشعال صراعات عديدة بين دول المنطقة، وربما تكون أزمة “سد النهضة” هي واحدة متلك الصراعات التي تبحث عن حلول قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

ومنتظر في الأيام المقبلة تدخل المجتمع الدولي ومؤسساته لإيجاد مخرج عادل يعود بالنفع على جميع أطراف الأزمة.