بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

ميليشيات الدفاع الشعبي مازالت موجودة بسلاحها..

بقلم : محمد شمس الدين

لا يخفى على المتابع للملف السوداني الأثيوبي أن ما حدث في منطقة الفشقة الحدودية مع أثيوبيا مؤخرا ليس بالأمر الجديد، وللأسف.. في كل مرة تقدم القوات المسلحة السودانية التنازل تلو التنازل رغم مقتل عدد من ضباطها، ولم يرتق يوما رد فعلها لمستوى مسؤوليتها.. بل لم نسمع عن أي تعويض أو اعتذار علني رسمي متلفز يثبت التصريحات الهلامية التي تنسب للدولة..

المعروف عن مثل هذه الحوادث أن يكون رد الفعل عليها قوي الصدى، بداية على المستوى الإعلامي والدبلوماسي ثم على المستوى الاقتصادي وأخيرا العسكري.. مع أخذ ضمانات موثقة بعدم تكرار ما حدث بعد اعتذار علني رسمي..

اعتداءات ميليشيات الشفتة المتكررة منذ أعوام تكشف سوء إدارة القيادة السودانية العسكرية السابقة والحالية لهذا الملف الذي وصل فيه التمادي أقصى مداه.. والحجج التي تسوقها أديس أبابا في كل مرة أن هذه الميليشيات خارجة عن القانون وأنها تقوم بهذه العمليات دون علم قواتها النظامية.. وهذا أمر لا يعفيها أبدا من تحمل كل العواقب، بل يلزمها بدفع تعويضات مادية كبيرة.. كما يلزمها باعتذار علني متلفز للشعب السوداني والدولة السودانية وتعهدٍ بعدم السماح بمثل هذه التجاوزات.. والا فإن البديل تتضرر العلاقات على جميع المستويات لاسيما الشعبي منها والتي تعول عليها أديس أبابا كثيرا حيث تنعكس في أرقام مداخيل السياحة من السائحين السودانيين.

لو كانت تلك الاعتداءات مقتصرة على مرة او اثنتين لصدقنا أن الأمر خارج عن إرادة الجيش الإثيوبي.. لكن أن يتكرر الأمر مرارا وتكرارا دون اتخاذ مايلزم فهذا ما لا يدخل عقل عاقل.. ولا يقبله السودانيون لا من الدولة التي تنطلق منها الاعتداءات ولا من القيادة العسكرية التي تفشل مرة تلو الأخرى في حماية أراضيها.

ولو حاولنا فهم كيف يفكر المكون العسكري تجاه الأمر بناء على تواريخ حوادث الاعتداءات سنجد أن  هناك حالة من التخبط جراء انعدام الخبرة السياسية التي لازالت مبنية فقط على آمال ووعود مرتبطة بمصلحة ضيقة تتمثل في تزويد السودان بالكهرباء مقابل سعر  تفضيلي.. في مشهد يدعوا للحيرة.. وكأن شراء الكهرباء من أديس أبابا مرتبط بتقديم التنازلات العسكرية من السودان.

ميليشيات الشفتة لديها وضعها الداخلي داخل اثيوبيا حيث يستخدمها سياسيو الشمال من قومية الأمهرة كورقة ضغط على الحكومة المركزية لتحقيق بعض المكاسب السياسية.. والغريب أنها تحقق مبتغاها كلما أرادت عبر احراج قيادة بلادها المركزية بشقيها السياسي والعسكري مع السودان.. لكن ومنذ احتدام أزمة مفاوضات سد النهضة فإن القوات الإثيوبية والإدارة السياسية تغضان الطرف عن هذه الاعتداءات وتلجأ لنفس المخرج القديم من الحرج مع الجانب السوداني وهو أن الأمر خارج عن إرادتها وتعتذر كالعادة هاتفيا.. بينما الأمر في حقيقته تنفيس عن بعض الغضب الداخلي ورسالة للجانب السوداني في ذات التوقيت مفادها أنكم ستتعبون كثيرا من هذه الميليشيات لو لم تعطونا ما نريد في مسألة السد.

ولا يخفى على أحد أن مماطلة أثيوبيا في مسألة ترسيم الحدود بشكل نهائي إضافة إلى مشكلة الميليشيات كلها تتعامل معها أديس أبابا على أنها أوراق ضغط في اتجاه استمالة موقف  الخرطوم إليها في مفاوضات السد تحت التهديد .. وهذا أمر مضحك ومعيب. 

ولو أن قيادة المؤسسة العسكرية السودانية لديها الجدية التي يتطلبه منها واجبها الوطني لاتفقت مع الجانب الأثيوبي على مراقبة مشتركة على طول الحدود التي تعترف بها الدولتان.. ولقدمت المساعدة اللوجستية في القبض على عناصر تلك الميليشيات داخل حدود أثيوبيا حتى ..ولديها الإمكانيات لذلك.. لكن وللأسف الشديد وفي الحقيقة الأمر متروك   لعناصر من مليشيات “الدفاع الشعبي” 

 نعم ياسادة .. ميليشيات الدفاع الشعبي التي قال عنها سابقا رئيس مجلس السيادة انه قد تم حلها..  وبالمناسبة فقد أشار إلى وجودهم وبسلاحهم حتى يومنا هذا  الفريق كباشي في خطبته  أمام جمع من أهالي كادوقلي.. في محاولة لتطبيع وجود تلك الميليشيات بعد أن قطع رئيس مجلس السيادة عهد للشعب بأنه تم حلها وتأميم كل ماكان مخصصا لها من مال وعتاد. 

للأسف الشديد فإن قادة المؤسسة العسكرية مازالوا غارقين في بحر أوهام السياسة والمصالح التي يأملون أن تعزز من أسهمهم في الفترة المقبلة أمام الشارع أملا في حجز قطعة جديدة من كعكة السياسة بعد انتهاء الفترة الانتقالية أو قبل انتهائها.. علما بأن الحزم والمهنية العالية هي أقصر طريق لذلك.. وهي التي ستجبر الجميع في الداخل والخارج على احترام هذه المؤسسة بدلا من التشكيك في مصداقيتها جراء تصرفاتها اللامسؤولة ووعودها غير المنجزة.. كما ستتسبب هذه التصرفات في أن تفقد بلدان العالم احترامها للسودان.

هذا المنظر الضعيف الذي تظهر عليه القوات المسلحة السودانية في كل اعتداء من قبل نفس الميليشيات ويؤدي في كل مرة لخسائر اقتصادية لمزارعي الفشقة وقراها وخسائر في صفوف ضباط الجيش.. أضعف كثيرا من مصداقية قوات الشعب المسلحة في أداء واجبها الوطني للأسف الشديد.. وسيزيد الطين بلة لا محالة مع الشارع الذي مازال يتلمس طريقه نحو إعادة بناء الثقة بجيشه.

أمر آخر يصب في خانة اهتزاز الثقة وهو أن مسألة عودة ميليشيات الدفاع الشعبي للظهور وتكليفها بدور بعد عام على الاعلان عن حلها وهذا على لسان عضو في مجلس السيادة وكأنه الأدرى بمصلحة البلاد بالابقاء على ميليشيات عقدية تكفيرية مسلحة بما يعني أن لا قيمة لما قطع من وعد للشعب..

والسبب الذي يجعله يصب في خانة اهتزاز الثقة هو أن الإبقاء على تلك الميليشيات يشي بأن وراء الكلمة ما وراءها حيث معلوم من يقود تلك الميليشيات ومن أين تتلقى أوامرها..

إحدى تلك السيناريوهات السلبية انه وفي ظل الاحتقان الحاصل بين قوى الحرية والتغيير وخريطة الولاءات الجديدة وأقصد هنا خطوة حزب الأمة الصادمة التي لا يمكن وصفها بأقل من الطعنة في الظهر .. في خضم ذلك يجد المكون العسكري نفسه في حالة انكشاف فيحاول بطريقته تشكيل خريطة يستدعي فيها ماعندك عليه ..ومن ذلك خبرته في التعامل حتى اليوم مع ميليشيات التكفيريين. الذين هددوا في أيام الاعتصام بقتل من يريد الصلاة في مساجدهم.. والذين يحتفظون بالسلاح والذخيرة دونما حسيب أو رقيب. 

الخشية كل الخشية أن يمر الامر على الجميع مرور الكرام دون تمحيص أو تدقيق أو محاسبة ومتابعة. 

ختاما استعير مقولة الشيخ صالح كامل رحمه الله التي قالها للسودانيين ضمن تهنئة بعد توقيع الوثيقة الدستورية:  الجيوش وجدت لتحمي.. لا لتحكم..