14/08/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

الدعوة لمؤتمر دولي لإعادة تنمية السودان

السفير نصرالدين والي

السودان دولة خارجة من النزاعات والحروب وآثارها المدمرة علي الصعيد السياسي والإقتصادي والأمني والإجتماعي. فآثار الحرب في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، تمثل عائقاً أمام نهضة البلاد؛ كما أن الأثار السالبة للإنتهاكات في مناطق الصراع بحاجة ماسة لمخاطبة سياسية وإقتصادية وتنموية إسعافية عاجلة، كل ذلك يتقاطع مع العزلة السياسية المفروضة علي السودان والتي تعيق تعاطي المجتمع الدولي مع السودان. 


وفي هذا السياق، فإن الوضع السياسي للسودان كأساس لتعاطي المجتمع الدولي مع بلادنا، بحاجة آنية لمؤازرة  ودعم سياسي وتنموي مؤسسي. وقد سبق أن تعرضت في مقال آخر بعنوان “عودة السودان للمجتمع الدولي” لهذا الجانب؛ وفي تقديري إن رفع إسم السودان من الدول الراعية للإرهاب يمثل حجر الزاوية أمام السودان الإندماج الفعلي للسودان في منظومة المجتمع الدولي بغية التمهيد للإستفادة الحقيقة والفاعلة من الدعم التنموي الدولي، ومن ثم الشراكات  المُحتملة معه في المرحلة الثانية من مراحل التحول وإعادة البناء. 


الآن، وبعد تحرر الإرادة السياسية السودانية، تتطلع البلاد لتمهيد الخطي السياسية لتحقيق التطور المرحلي لإعادة الإندماج في المجتمع الدولي وتفعيل المشاركة السياسية والإقتصادية والتجارية المنشودة في الإسهام ورفد التعاون الدولي في كافة القضايا والمجالات الحيوية التي تعود بالمنفعة المتبادلة. ويقيني أن فرصة سانحة تلوح في الأفق للسودان في الأنتفاض والإبتعاد عن حالة العزلة السياسية البائسة والمكبلة لدوره  والتي ظلت تخيم علي تفاعله وريادته التاريخية كدولة إفريقيه متفردة في الثروات الطبيعية والإمكانات البشرية الهائلة، علاوة علي ما تحظي به من موقع جيوإستراتيجي وعمق أفريقي تتعاظم أهميته في ظل التطورات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية التي لها دور حيوي في كبح جماح والأثار المدمرة للعنف والنزاعات.


فإن بزوغ فجر السودان الجديد من شأنه تعزيز آفاق ذلك التعاون الإقليمي والدولي المشترك كجزء مفقود للسودان في الأرتباط بالقارة الإفريقية، عمقنا الإستراتيجي، وذلك بالشراكات التجارية والإقتصادية المؤثرة في حياة الشعوب، والإسهام بالتبادل السلعي الحيوي من الإنتاج الزراعي والحيواني والحبوب والصناعات التحويلية بأشكالها المختلفة، بجانب تبادل الخبرات الكبيرة في المجالات الحيوية التي تظل العديد من الدول في المحيط الأفريقي للسودان، والتي تزخر بها بلادنا، بحاجة ماسة لها، وفتح الأسواق المشتركة، وزيادة فرص العمل لزيادة إستيعاب طاقات الشباب، والنأي بهم عن البطالة والإستقطاب الديني المدمر والتطرف، وكبح الهجرة غير الشرعية، وتهريب السلاح والإتجار في البشر والمخدرات.


وغني عن الذكر أن الإتفاق السياسي الذي تم التوصل إليه وأفضي إلي التوافق علي شكل الحكم في السودان، ومهد إلي إقامة هياكل الحكم كبداية للتحول الديموقراطي، يعتبر الخطوة الأولي في طَي صفحات الماضي في هذا البلد الأفريقي العربي الشاسع.

وعلي الصعيد الداخلي يمثل حجز الزاوية للإيذان بوضع حد لحالة الإحتراب والعنف  وإشاعة السلام في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، ويكون بمثابة اللبنة الأولي لمخاطبة الأثار السالبة والمدمرة جراء ما أحدثته سياسة النظام البائد والإنتهاكات الصارخة للقانون الدولي في تلك المناطق, بجانب ما توجبه المحاسبة لتلك الجرائم التي هزت الضمير الإنساني.

 
وعلي الصعيد الداخلي فإن الإتفاق السياسي وما يتبعه من تراضي سياسي في الحكم، وبوادر إتفاق مع الجبهة الثورية وكافة المكوناث الثورية للكفاح المسلح، سيحقن الدماء ويضع حد لحالة الإحتراب بزوال الدواعي لرفع السلاح وإلي الأبد، ونبذ السياسات الحكومية التي فاقمت وأفضت إلي إنعدام الأمن والسلام والإستقرار في ربوع السودان، وإيقافها لعجلة التنمية، وإفارازها لحالة الضنك والفقر التي يعيشها المواطن السوداني، وما أدته من إنعدام الإحتياجات الضرورية بما يناسب دخل الفرد العادي. 

فالسودان بلد بحاجة للتصالح مع نفسه، ومعالجة جذور أزمة الحكم، وإدارة التنوع وتواتر الفشل السياسي الذي صاحب كامل التجربة السياسية في الحكم في السودان خلال الفترة من تطوره ونشأته إلي يومنا هذا، ومعالجة جذور القبلية والجهوية حتي أضحت سمه بائنة في البلاد، ووضع حد لظواهر أشكال الإفلات من العقاب، وإشاعة أسس العدالة والإسهام في إيقاف إنفراط العقد الإجتماعي وتعميق الشقه الإجتماعية بين مكونات المجتمع السوداني الحضري، وبين أهل الإقليم الواحد، دارفور، والذي كان من بين أكثر أقاليم البلاد تماسكاً وتمازجاً وتعايشاً. وهذا لن يحدث بين ليلة وضحاها ؛ ولكن علينا أن نبدأ بخطوة جادة وواثقة نحو ذلك المبتغي.


الإعداد لمؤتمر المانحيين لدعم السودان.
 

يمكن للسودان الإعداد لمؤتمر إقتصادي داخلي عاجل لتحديد الأولويات والتحديات والفرص التي سيشملها الدعم الدولي. ولا شك أن من شأن الدعوة وعقد هذا المؤتمر الدولي للمانحيين تجسيد الأهمية التي يعقدها المجتمع الدولي لدور السودان ضمن منظومة التعاون الدولي؛ وذلك للآتي:


١- المبادرة بعقد المؤتمر سيعزز الثقة بين السودان والمجتمع الدولي ويفتح أفاق جديدة للتعاطي مع الحكومة المدنية للسودان الجديد.


٢- عقد المؤتمر في هذا الوقت الدقيق سيرسل رسالة قوية من المجتمع الدولي لدعم أولويات السودان والتي علي رأسها قضية دعم السلام في  السودان وترسيخ إهميته البالغة في قضايا الإستقرار الداخلي والإقليمي؛ والعودة الطوعية للنازحين واللاجئين إلي مناطقهم، ويمثل المؤشر لحشد الدعم التنموي الدولي والإقليمي لإعادة الإعمار، وتوفير الخدمات الأساسية والملحة، وإشاعة ثقافة السلام والتعايش السلمي بين المزيج السكاني في تلك المناطق.

٣- الدعم الدولي الذي من المؤمل أن يتبناه المؤتمر بإمكانه الإسهام في جهود إعادة الدمج والتسريح لقوات الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال والحركات المسلحة الأخري، وإعادة بناء  قوام القوات المسلحة علي نسق الجيوش المهنية في العالم في إطار التحول الديموقراطي الذي ينتظم السودان.

٤- إن الدعم السياسي والإلتزامات الإقتصادية الدولية والدعم التنموي Pledges والتي يعقبها إلتزام بالإسهام الفعلي وفق قيد زمني من المؤمل أن يحظي بها السودان من الدول والصناديق الإقتصادية التمويلية (شريطة دعم الولايات المتحدة للمؤتمر وموافقتها لتسهيل وضمان إنسياب الدعم المادي للسودان عبر إصدار (General License). إن إنسياب الدعم الدولي هو الوسيلة لإحداث تغيير ملموس لإعادة إعمار ما دمرته الحرب في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وكذلك المناطق التي عانت من التهميش والضمور التنموي الواسع في شرق البلاد وشمالها.

٥- المؤتمر والدعم الفعلي للولايات المتحدة؛ من شأنه أيضاً الإيذان بإستهلال شراكات ثنائية ودولية فاعله لترسيخ الإنتقال للحكم المدني، وكذلك إسهامه الملموس في إحداث تغيير في السياسة الداخلية بخلقه لفرص عمل لإستيعاب طاقات الشباب وتوظيفها في عمليه البناء والنأي بهم من الإستقطاب السالب بشتي أشكاله.

٦- علي الصعيد الدولي سيمثل عقد المؤتمر إنطلاقة جديدة لدور السودان المغيب في الشراكات الدولية الإستراتيجية مثل الإسهام في القضايا السياسية والأمنية ذات الأثر السالب علي الأمن الجماعي الدولي مثل كبح الهجرة غير الشرعيه، وتهريب والإتجار بالبشر، والأمن الإقليمي في البحر الأحمر وباب المندب كذلك الإسهام في تقليل المهددات الأمنية السالبة والتأثير الضار لأعمال القرصنة وتهديد حرية التجارة الدولية للأزمة المتصاعدة في اليمن والممرات المائية الحيوية  الهامة.

٧- كما أن المردود الإيجابي للمؤتمر يمكن أن يشمل زيادة دور السودان في الشراكات الإقتصادية والتبادل السلعي وضمان حرية حركة البضائع لدول شرق ووسط أفريقيا التي تعاني من الإنغلاق الحدودي والحرمان الطبيعي من الإطلالة علي المنافذ البحرية.