27/11/2021

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

القوى الناعمة الإيرانية في غرب إفريقيا: الدوافع والمكاسب

رنده عطية

استطاعت إيران على مدار السنوات الماضية أن تفرض نفسها كواحد من أبرز اللاعبين المؤثرين في الملعب الإفريقي، حيث نجحت في ترسيخ أركانها هناك عبر عدد من الإستراتيجيات ذات التنوع الأيديولوجي والثقافي والديني ساعدتها في أن تكون رقمًا صعبًا في المعادلة القارية.

اهتمام طهران بالقارة السمراء لم يكن مقتصرًا على السنوات الأخيرة كما يعتقد البعض، بل يرجع إلى ستينيات القرن العشرين، حين بدأت معظم الدول الإفريقية في الحصول على استقلالها، غير أن الانشغال بمرحلة ما بعد الثورة الإسلامية وما شهدته البلاد من اضطرابات على المستوى الداخلي والخارجي خاصة الحرب مع العراق انعكس بصورة سلبية على واقع العلاقات الإيرانية الإفريقية.

ومع نهاية تسعينيات القرن الماضي شهدت السياسة الخارجية لطهران حيال إفريقيا تطورًا ملحوظًا، حيث الانفتاح على كل الأنظمة، وفتح قنوات اتصال وتواصل مع معظم الحكومات بشكل رسمي، ومع الشعوب عبر تعزيز روافد القوة الناعمة التي عبدت الطريق نحو حضور إيراني كثيف إفريقيًا على المستويات كافة.

ورغم التوغل في معظم أرجاء القارة، فإن تعاظم الدور الإيراني في غرب إفريقيا ودول جنوب الصحراء كان علامة فارقة في هذا التحول الكبير الذي شهدته خريطة السياسة الخارجية للدولة الإسلامية، مستندة في ذلك إلى ما تمتلكه من حزمة أدوات ناعمة توظفها بشكل جيد لتحقيق أجندتها الخارجية في هذه المنطقة الحيوية من القارة.

نجد أن غانا على سبيل المثال تمتلك زهاء الـ13% من احتياطات الذهب بإفريقيا، ونحو 5% من احتياطي الألومنيوم بالقارة

لماذا غرب إفريقيا؟

السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بقوة على طاولة النفوذ الإيراني غرب إفريقيا يتعلق بالمحفزات والدوافع التي تقود طهران إلى توسيع دائرة حضورها الإفريقي، سواء كان ذلك عبر أدوات قوتها الناعمة أم الخشنة، التي تذهب في النهاية إلى تحقيق ذات الهدف.

الدافع الأول يتمحور حول محاولة طهران الخروج من دائرة العزلة الدولية التي وضعتها فيها الولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية، وكان لها أسوأ الأثر على المستوى الاقتصادي والسياسي، حيث كبدت البلاد العديد من الخسائر التي وضعتها في مأزق كبير، سواء على مستوى النظام أم الشعب.

وينسحب هذا الدافع كذلك على العقوبات الدولية المفروضة على طهران من الأمم المتحدة، وهي التي استهدفت تقييد أذرع إيران في السير قدمًا نحو تطوير برنامجها النووي، ومن ثم كان التحرك ناحية إفريقيا وسيلة لكسر تلك العزلة ومحاولة البحث عن سوق جديد يستوعب الطموح الإيراني.

ويأتي الدافع الثاني إكمالًا للأول، فالرغبة في كسر حالة العزلة لا يكون إلا في بيئة مناسبة قادرة على تعويض الخسائر الناجمة عن العقوبات المفروضة، ومن ثم وجد الإيرانيون في غرب إفريقيا البديل الجاهز حيث الموارد الطبيعية الهائلة، إذ تمتلك القارة 21% من إجمالي احتياطات الذهب في العالم.

أما فيما يتعلق بإمكانات غرب إفريقيا ودول جنوب الصحراء الاقتصادية، فتتميز بإمكاناتها الهائلة في مجال استخراج اليورانيوم وهو أهم العناصر التي تحتاجها إيران، حيث حقق هذا الإقليم زيادةً في إنتاجه من اليورانيوم بنحو 7% خلال الفترة الممتدة من عام 2000 إلى 2005، هذا بجانب كون السوق الإفريقية التي يناهز حجمها المليار نسمة، تمثِّل سوقًا واعدةً لتصريف المنتجات الصناعية الإيرانية.

وتفصيلًا نجد أن غانا على سبيل المثال تمتلك زهاء الـ13% من احتياطات الذهب بإفريقيا، ونحو 5% من احتياطي الألومنيوم بالقارة، كما أن قرابة 18% من إنتاج العالم من اليورانيوم يأتي من ثلاث دول إفريقية هي: النيجر وناميبيا وجنوب إفريقيا. 

وبعيدًا عن البعد الاقتصادي في محفزات طهران نحو غرب القارة الإفريقية، فإن هناك بعدًا سياسيًا لا يقل أهمية، ويتعلق بمساعي النظام الإيراني كسب تأييد الدول الإفريقية في مختلف المحافل الدولية، أو على الأقل تحييدها فيما يتعلق بالتصويت على أي قرار بشأنها، علمًا بأن إفريقيا تعد ثاني أكبر الكتل التصويتية، بعد الكتلة الآسيوية، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذا المنظمات الدولية المتخصصة.

يذكر أن عدد المسلمين في إفريقيا جنوب الصحراء يزيد على 248 مليون نسمة وفقًا لبعض التقديرات، بنسبة تصل إلى 90% من إجمالي تعداد السكان في بعض الدول منها جامبيا، ونحو 85% من إجمالي السكان في غينيا، و50% في غينيا بيساو، وتشاد أيضًا، ونحو 60% في بوركينافاسو و45% في كوت ديفوار، وهو ما يعد ثقلًا ديموغرافيًا يمكن الاستناد إليه في بعض الملفات.

آخر أدوات القوة الناعمة التي ترتكز عليها طهران لتمرير مشروعها في غرب القارة، منظمات المجتمع المدني

أدوات القوة الناعمة

تتعدد الأدوات التي تستخدمها طهران للتأثير في خريطة القيم الثقافية والمجتمعية والدينية السائدة لدى شعوب دول غرب إفريقيا، سواء عبر أدوات رسمية مباشرة أم من خلال الكيانات الثقافية والتعليمية التي حققت نجاحات عدة خلال السنوات القليلة الماضية.

ويأتي على رأس تلك الأدوات، المراكز والملحقيات الثقافية الإيرانية، التابعة للسفارات والبعثات الدبلوماسية الرسمية للدولة، هذا بخلاف العديد من الكيانات الأخرى التي تقوم بدور مؤثر في نشر التشيع في تلك البلدان، وتنشط بصورة كبيرة في المناسبات الدينية كذكرى كربلاء ومولد السيدة فاطمة الزهراء، وغيرها من المناسبات الشيعية.

ومن تلك الأدوات أيضًا، الجالية اللبنانية في دول غرب القارة، البالغ عددها قرابة 350 ألف مهاجر لبناني وفدوا إلى هذا الإقليم منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ويتركزون بصورة أكبر في السنغال ونيجيريا والكونغو الديمقراطية وسيراليون وغينيا الاستوائية.

وتشير الإحصاءات غير الرسمية إلى أن ما يقرب من 70% من أعضاء تلك الجالية يعتنقون المذهب الشيعي، هذا بخلاف أن جزءًا كبيرًا منهم يعمل في التجارة والأعمال، ويشكلون أحد أهم الموارد لتمويل نشاطات حزب الله اللبناني، وعليه تمثل تلك الجالية رافدًا ناعمًا قويًا يعزز الحضور الإيراني في تلك المنطقة.

وفي السياق ذاته تأتي “جامعة المصطفى العالمية” كإحدى أهم تلك الأدوات المؤثرة، إذ تعتبر مركزًا إسلاميًا وحوزيًا شهيرًا، ويعد قبلة للباحثين من شتى دول إفريقيا عمومًا وغرب القارة على وجه الخصوص، ووفق التقديرات فإن الجامعة بها قرابة 45 ألف طالب، من بينهم 10 آلاف من الإناث، نصفهم تقريبًا يتلقُّون تعليمهم في فروع الجامعة في إيران.

وللجامعة نشاط قوي في جنوب الصحراء، فلديها فروع فيما يزيد على 30 دولةً إفريقية، كما أن هناك 18 مركزًا رئيسيًا منوط بها تنظيم نشاطات الجامعة في مختلف دول القارة، وتعتمد طهران على تلك الجامعة في توسيع دائرة نفوذها التشيعي داخل إفريقيا ومن ثم تمرير أجندتها السياسية.

وآخر أدوات القوة الناعمة التي ترتكز عليها طهران لتمرير مشروعها في غرب القارة، منظمات المجتمع المدني، وسواء كانت رسمية أم غير رسمية فإنها استطاعت أن تحظى باهتمام كبير من مسؤولي طهران، تجسد في انتشار مكثف لها في مجتمعات القارة.

لا يتوقف عمل وأنشطة تلك المنظمات على المجتمع الأهلي والخيري وفقط كما يتصور البعض، فهناك أدوار أخرى سياسية واستخباراتية تمارسها من الباطن، ومن أبرز تلك المنظمات “لجنة الإمداد الخميني” التي تأسَّست عقب الثورة عام 1979، إضافة إلى مؤسسة الهلال الأحمر الإيرانية.

القارة الإفريقية باتت في مرمى الأجندة الإيرانية وعليها أن تتوخى الحذر حيالها بصورة جيدة

مخاوف وترقب

النجاح اللافت الذي حققته إيران عبر أدواتها الناعمة في نشر المذهب التشيعي في بلدان الإقليم وهو ما تعكسه أعداد المتشيعين المتزايدة عامًا تلو الآخر، أثار قلق العديد من حكومات تلك الدول، خاصة بعد تجاوز المؤسسات التطوعية والثقافية الإيرانية للدور المنوط بها.

وفي مايو/آيار 2013 أعلنت طهران بصورة رسمية عن أكبر مشروع لنشر المذهب الشيعي في إفريقيا، الذي جاء تحت عنوان “الدعوة والترويج ونشر التشيع، والتعريف بالإمام المهدي ورسالته في الدول الإفريقية” حيث استهدفت نشر هذا المذهب في 30 دولة إفريقية.

بعض المخاوف فرضت نفسها مع تلك النجاحات لا سيما بعدما ذهبت عدد من التقارير إلى استخدام طهران لتلك المنظمات المتسترة تحت عباءة العمل التطوعي كأذرع استخباراتية لها، هذا بخلاف توظيفها كنافذة لتمويل مليشاتها في بعض الدول العربية عبر تقديم المساعدات والمنح لها.

ويذكر أنه في 2010 كشفت نيجيريا ضبطها شحنة من الأسلحة بميناء لاجوس قادمة من إيران، وهو ما أثار القلق والتساؤلات وقتها عن حقيقة النفوذ الإيراني في البلاد وغرب إفريقيا بصفة عامة، الأمر الذي يعكس الدور العسكري للدولة الإسلامية في القارة السمراء، وهو ما تسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين.

وفي الأخير يمكن القول إنه رغم ما تتعرض له طهران من عقوبات دولية وقيود على نشاطها الاقتصادي، فإن مساعيها لتحقيق أجندتها التشيعية في مختلف مناطق العالم هدف أسمى لحكام إيران لا يتوانون عنه مهما كانت الأوضاع، وهو ما يعني أن القارة الإفريقية باتت في مرمى الأجندة الإيرانية وعليها أن تتوخى الحذر حيالها بصورة جيدة.