22/10/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

جَدَلُ العَلاقة بيْن جَنوب وشَمال السّودان: في حياةِ مُثقّفٍ ثَوْريٍّ (الجزء الثالث والأخير)

بقلم ياسر عرمان

حُضور البديهة والذّكاء الإجتماعي

مدْخل أوّل :

الموتُ قاطعِ طريق؛ لا يأبهُ بالمواعيد وينتظرنا حيثما شاء، في بدايات ومنتصف أونهايات الطّريق! لايحدّد موعد زيارته أو المكان وأحياناً يُعطي إشاراتٍ تحذيرية؛ ورغم هيْبته فإن البشر أدركوا بوعيٍ عميق أنّهم على موعدٍ معه ولو كانوا في بروجٍ مشيّدة.والموتُ يستأثر بالخيال وعُمق التّأمل؛ والإنسان الذي يخاف غدْر الموت تحوّط له بأن جعل لنفسه إمتداداتٍ وآثارٍ باقية في الحياة لايمْحوها الموت وتُقاوم الزّمن مثل الأهرامات؛ ولا نزال نستأنسُ برفقة أناسٍ وأفكارهم ومُنجزاتهم وقد غادروا الحياة منذُ أزمنة بعيدة وقد تركوا بصماتهم وكلماتهم خلفهم؛ إن بصماتهم خالدة أكثر من أزمنة أعمارهم. قد تخرج الفريسة من قدر صائدها مهما كانت مهارته؛ إلا الموت فإنه لايُخطئ فريسته.

مدْخل ثانِ :

روبرت أوكيمو صديقنا المولود في شرق الإستوائية منطقة توريت؛ أتت به رؤية د. جون قرنق ديمبيور ( رؤية السّودان الجديد) إلى شرق السودان! مقاتلاً لا سائحاً في ساحل البحر الأحمر، في ذلك اليوم والتّسعينيات ماضية في إغماض عينها نحو الغروب؛ ذهبنا لحضور مؤتمر لتأسيس حركة (الأسود الحرة) مؤتمر بالكامل لقبيلة الرّشايدة التي تُحاول أن تخرج من شرنقة الصّراع مع الدّولة السّودانية في قضايا التّهريب إلى طرح قضايا أكثر شمولاً، بعد خروج (مبروك مبارك سليم) من حزب الاتحاد الديمقراطي وخوضه نقاشات طويلة من أهمها نقاشاته مع الحركة الشعيية ود. جون قرنق، وعلى الرغم من أن قبيلة الرشايدة قبيلة عربية كاملة الدّسم لكنها أيضاً تطرح قضية المواطنة في السّودان مما يُثير الأسئلة العميقة حول الجانب الإثني من قضية المواطنة كما أنها تطرح قضية الأرض في بلد كان مليون ميل مربع واستضاف الملايين من خارجه وعجز عن إعطاء الرشايدة أرض وحينما اْلتقى الراحل معمر القذافي بمبروك مبارك سليم ذكر له ولنا  لاحقاً في لقائه مع الدكتور جون قرنق “أن مبروك مبارك سليم أصبح يتكلم عن التّهميش مثل قرنق” وفي يوم المؤتمر شدّ انتباهنا أنّ قبيلة الرشايدة وهي قبيلة سودانية عربية خالصة تُعاني من التّهميش، و التّهميش في شرق السودان هو الأمَرّ والأقْسى في كامل السّودان  بفعل البشر والطّبيعة  وقبائل البجا في شرق السّودان من هول الحياة موتى على قيد الحياة ،وكان أكثرنا قدرة على التّعبير هو رفيقنا القائد روبرت أوكيمو فالبعض كان ينظر الى التّهميش كبضاعة ومكر وصناعة من القبائل العربية ضد الآخرين فوجدنا أكثر الناس عروبة يعانون من التهميش!.

صاح روبرت أوكيمو وهو يراقب الرّشايدة بألوانهم وثقافاتهم الفريدة؛ قائلاً ” ياخي انا كنت قايل ياسر وبازرعة عرب أتاري وين دا شغل تقليد ما أصلي، والعرب الاصليين ياهم ديل مهمشين ” وأردف : أن في حياته أمرين لن يذكرهما حينما يعود إلى ديار اللاتوكا في شرق الاستوائية الأولى : أن الحركة الشعبية قد أرسلته الى التدريب في كوبا وفي كوبا رأى أسماك الدولفين ترقص وتعطي القبلات لمن يشتهيها وهذا أمر صعب التصديق في توريت! والأمر الآخر انه رأى الرشايدة في شرق السودان عرب عديل ومهمّشين كمان ولو ذكر ذلك في توريت لن يصدقه أحد؛ فهناك المواطنيين يعرفون شيئاً واحداً ان العرب يهمشون الآخرين ولن يصدقوا بان هناك عرب قد تم تهميشهم واذا ذكر الحقيقة سيدمغ بالكذب.

إن قضية المواطنة في السودان؛ بقدر ماهي بسيطة وواضحة فانها لاتخلو من التعقيد بحكم مُلابسات التّاريخ ومستوى التّطور الاقتصادي والسيّاسي والاجتماعي والثّقافي وامتدادات الجغرافيا، ان السّودان دوماً يطرح قضايا افريقيا العريضة بتشعباتها.

إنّ رحلتنا تحتاج إلى حائكٍ ماهر حتى يحيكها في ثوب جديد؛ وان الرؤية التي امتلكناها تحتاج إلى ميلاد جديد ونظرة نقدية لنخرج من ضيق الشّعار للإجابة على أسئلة الجمهور الذي لايأكل من الشّعارات ولا يشرب بريقها، ويحتاج إلى أرضٍ وسكن وماء نظيف وصحة وتعليم ولايكتفي بالإجابات، بل لابد من أن يشارك الجمهور في صنع الاجابة. وقد آن الآوان أن تتعلم رؤية السّودان الجديد الحكي على نحو مُباشر وأن لاتتخفى خلف الشعار وان تعيد ألقْ توحيد الجغرافيا وتلاقي الثقافات وحوار الديانات واعتماد نسخة جديدة من  صحيح التّاريخ  – تمتد من البركل وطيبة ومروي ونبتة وكرمة وعلوة والمقرة وعلينا أن نعلم أن (أخناتون) هو من وحد الدّيانات في العالم القديم وأطل سحره من عمق (نفرتيتي الجميلة). 

أن أحلامنا بالأمس تدغدغ أرواحنا من جديد؛ أننا نُهدي أرواحنا القديمة التي سكنت أجسادنا حيناً من الدهر إلى شباب اليوم نساءاً ورجالاً ودوزنة من الجُند حتى حينما نموت نعلم أن كل شئ سيكون علي ما يُرام وأن أرواحنا ستُحلق فوق فضاءات الخلود وتلامس موجاتها القادمين الجدد إلى الحياة، وتحط ُّعند البرمجيات الجديدة والأسافير فلاشئ ينتج من العدم إلا العدم، وسننقذ أرواحنا وأرضنا والقاطنين عليها من الضّياع.

 في الجزء الثاني من مقالنا كنا قد توقفنا عند اللافتة المرفوعة في جمهورية النفق  في ساحة الإعتصام  حينما قادتنا خطواتنا ورحلتنا  الى الإعتصام  في 27 مايو 2019 قبل أن ينفضُّ سامرنا ونذهب الى السّجن وكانت تلك اللاّفتة تحمل خطواتنا الأولى وأحلامنا المرسومة على خطى الشّباب وكُتب عليها بخط جميل ” الشعب يريد بناء سودان جديد” وكان آلاف الشّباب يحملون الهواتف الذكية كفوانيس ملوّنة وبروقٍ لامعة في عتمة الظّلام، يعيدون الأمل في مهمة لن تنتهي، وكم كان ترشيح إدوارد لينو حاكماً لولاية الخرطوم مبكراً وليته أتى عندما قرعت الأجراس على أحلامنا في جمهورية النّفق.

 غاب إدوارد وبقى الأمل في أفق الطريق المديد والأمل لا يشيخ من الجفاف وستسقط الامطار وتمتلئُ الضفاف ومن الضفاف تخرج رايات الشباب والنساء تردد ( حرية سلام وعدالة والثورة خيار الشعب) والثورة أيضاً خيار الله عند عباده فهي تأتي في الجفاف وفي زمهرير الشتاء وسياط النظام العام تلهب أجساد النساء والشباب ومحمود عبدالعزيز وثقافات السودان الراسخة في القدم قاومت النظام العام ولم تحفل النساء به وظللْن يُخمّرن أعواد القصب وشئ من الطّحين والفتريتة طعاماً للفقراء والجوعي وابناء السبيل.

الله هو الصانع الأول والفنان والمبدع يمشي على خطى الله في صناعته؛ ولأن الانسان مخلوق على صورة الخالق فهو يصنع ويجد ويكد ويترك عالماً من صناعته وبناءاً جديد وأحياناً يظلم نفسه ويجهل صناعة الخالق ولكنه دوماً يسعى لصناعة لوحة جديدة لم يتركها الاجداد ويضيف زاوية جديدة.

امتلك إدوارد لينو ضميراً حيّاً ؛ ولابد للإنسان أن يعيش بضمير حي فاذا مات ضميره مات الإنسان نفسه وإن كان يسعى على قدميه هكذا عبر  إنسان شريف يسمى – محجوب شريف ذات مرة؛ يتسرّب الأصدقاء وكأننا أحتفظنا في أيدينا بماء ويصبح العثور عليهم أمراً نادراً مثل ( لبن الطير) لم تعد الحياة تعُجُّ بهم نفتقدهم ونشعر بالوحدة وسط الجموع؛ فالأشجار حتماً ليست واحدة وقد أغْلقت مقاهي وحانات ومطاعم وصالات رقص كانت تضمهم، ولم يتركوا الا الصور والرسوم القديمة معلقة على  الحائط وصفير الرياح وعواء الذئاب واختفاء الأصدقاء واحداً إثر أخر يجعل الحياة عديمة المذاق وقد حملوا تاريخنا المشترك وذهبوا به؛ إن حذف الكثير من الأصدقاء من قائمة الصداقة أمر لا يشئ بخير وغبطة.

إنّ حياة إدوارد لينو وتقاطعاتها ؛ تطرح بعمق قضايا البناء الوطني وبناء دولة حديثة على أساس المواطنة بلا تمييز وهي القضية الأولى في أجندة السودان، وحياة إدوارد لينو أختلطت برماد الحروب وأسئلة معلقة على شفاه يابسة تظل بلا مجيب؛ وقد عاش إدوارد لينو مثل الآخرين أعوام الرّمادة وتلآشي الأحلام الكبيرة والخوازيق التي خرجت من بعض المدافع. وظلّت رحلتنا المُشتركة تتبتّل بصلوات السّحرة ويعزّزها الأمل ولا زلنا نستطعم أدعيتها ونبحث عن إجابات وحتى حينما لم نعثر عليها ولاحتّى الرب أجاب ؛ فأحلامنا لن تسقط بالتّقادم.

جوبا 23 أبريل 2020:

صبيحة ذلك اليوم ؛اتّصل بي وزير شؤون الرئاسة آنذاك بجمهورية جنوب السودان مييك دينق، وطلب مني الحضور لمقابلة رئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت؛ لمناقشة التّرتيبات المتعلّقة برحيل الدكتور منصور خالد؛ والذي كنتُ على إتصال مُستمر معه ومع أطبّائه بلندن وقمت بترتيب زيارته الأخيرة إلى جوبا في 14 يناير 2020 والتي قابل فيها الرئيس سلفاكير ميارديت ؛ كان هو نفس اليوم الذي سوف أذهب فيه إلى أبيي برفقة جثمان إدوارد لينو ولم ألْحق بالرّحلة نسبةً لقضاء وقت طويل في مكتب الرئيس بغرض التّرتيبات المتعلقة بالراحل د. منصور خالد؛ وحينما ألتقيت بالرئيس تحدّثنا عن منصور خالد وعن إدوارد لينو الذي أشتهر بحضور بديهته وذكاءه الإجتماعي وقدرته على إطلاق القفشات وإشاعة أجواء المرح بين أصدقائه حتى؛ في الأوقات الحزينة وقد ذكر لي الرئيس أن إدوارد حينما أُصيب بمرض القلب، في الفترة الإنتقالية وطلب الرفيق دينق ألور من الرئيس مساعدته للسفر للأردن لتلقي العلاج وبعد أن عاد؛ ذهب للرئيس ليشكره ويطلعه على أحواله الصّحية؛ فقال الرئيس إن إدوارد  لينو قد نصحه بالحفاظ على سلامة رجليه لأنه قد أكتشف من العلاج في الأردن أن ( الاسبيرات) المتعلقة بالقلب تؤخذ من الرّجل. وتحدثنا لمدة عن نكات إدوارد العديدة وقفشاته التي كان يُطلقها أثناء سنوات الحرب. وذات مرة في جوبا كان هنالك حواراً شائكاً في المكتب السّياسي واختلاف بين الرئيس وأحد زملائه؛ وحينما خرجنا في فترة الراحة الْتقاني إدوارد وقال: ما الذي يحدث وقد تعالت الأصوات في الداخل؟ فقلت له  بالانجليزية : إن أحد زملاء الرئيس قد اختلف معنا ولكن في نهاية المطاف فانه يقصد الرئيس فقال إدوارد: ليس في نهاية المطاف بل في بداية المطاف. وعندما ذكرت ذلك للرئيس الذي كان غاضباً ضحك بشدة.

أصوصا:

في مدينة أصوصا؛ بالقُرب من الحدود الإثيوبية السّودانية المتاخمة لولاية النيل الازرق؛ ذهبت مع إدوارد لإستقبال زوجة رفيقنا جمعة بابو ( أبو حديد) وهو من قُدامى الرفاق المؤسسين للحركة والجيش الشعبي والذي ينحدر من المورلي بمنطقة البيبور ولما حضر البص القادم من أديس أبابا؛ونزلت زوجة الرفيق أبوحديد من البص وكانت ذات بسْطة في الجسم؛ فما كان من إدوارد الا أن حيّاها مطلقاً عليها ( سلامات يا أم حديد).

مركز تدريب قطع ورقة:

ذهبنا مع إدوارد لزيارة القائد المناوب أبو العلا جمعة، وهو واحد من المعلمين المشهورين في الجيش السوداني والجيش الشعبي وقد تم أسره في إحدى المعارك في النيل الأزرق وكان مقدماً في القوات المسلحة السودانية وربطتنا به علاقة صداقة وثيقة؛ وجاء أصغر أبناء ابو العلا لإستقبالنا وقدمه ابو العلا بان أسمه ( كلاشنكوف) وبعد مدة جاء أخيه الكبير وهو ذو بسطة في الجسم فنظر اليه إدوارد لينو وقال ( يا أبوالعلا اذا كان ولدك الاول كلاشنكوف فهذا سيكون  قطعاً بي إم- أي راجمة صواريخ).

كايا:

كنا في كايا بغرب الإستوائية مع دانيال كودي وكنا مدعوين لعشاء مع قائد المنطقة، وكان لدانيال كودي عربة ماركة سوزوكي وكنا ننتظرها لتقلنا الى موعد العشاء وقد ذهب بها السائق (للغسيل) وتأخر وكان حرس دانيال كودي حينما يتم سؤاله عن أين عربة السوزوكي يجب قائلاً ( العربية لسة في الحمّام) فقال إدوارد لينو ( والله اذا في الحمام  فان السوزوكي جنا العربية  دا بكون بكى بكي شديد).

نيروبي:

كُلّف إدوراد لينو برئاسة مكتب التجمع الوطني الديمقراطي في نيروبي مع صديقنا وأخانا عبد الباقي مختار والتجمع كان يترأسه السيد محمد عثمان الميرغني فسأل أحدهم إدوارد لينو: أي صورة سيضع ادوارد في مدخل المكتب هل هي صور للدكتور جون قرنق رئيسه في الحركة ام السيد عثمان الميرغني رئيسه في التجمع؟ فأجاب ادوارد ببديهة حاضرة : لدي صورة لجون قرنق يصافح فيها محمد عثمان الميرغني.

في نفس يوم توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيروبي وحينما جئنا من أستاد موي الرياضي بعد التوقيع التقانا احد الرفاق من دارفور فصاح لادوارد ” كيف ياكمرد إدوارد” فاجابه ادوارد ” منذ هذا اليوم لاتطلق علي كمرد فقد وقعنا اتفاقية وأصبحنا حكومة ، أما انا فسأطلق عليك كمرد فانت لاتزال في الغابة، وكمرد هو لقبك فقل لي ياسيد إدوارد ياجنابك يا حكومة يا سعادتك لكن لا تذكر كمرد بعد اليوم”.

واشنطن:

في واشنطن؛ قام إدوارد لينو بتحديد مواعيد في معهد ( ويذرو وليسون) الشهير اذا أسعفتني الذاكرة لكي يقدم د. جون قرنق محاضرة ونسي ادوارد ان يخبر جون قرنق بالمحاضرة؛ وقبل سويعات من الموعد المضروب اتصلت به إدارة المعهد لتطلعه على المدخل الذي يجب أن يستخدمه الدكتور جون قرنق للدخول فذهب إدوارد لدكتور جون قرنق وأخبره فغضب جون قرنق الذي نادراً ما يغضب؛ وذكر لادوارد انه لن يذهب الى مثل هذا المعهد المرموق دون تحضير وإدوارد لينو الذي  لايعدم الحيل قال لجون قرنق ” يا بنج انت ماداير تحضير انت زي التلفزيون أول ما يفتحوا يتكلم” فضحك قرنق وقال لادوارد انه سيذهب وسيقوم بتجهيز وترتيب أوراقه في ظرف ساعة وذهب معه وكانت محاضرة ناجحة .

القاهرة:

في القاهرة كُنت شاهداً على؛ حوار مشدود الاطراف بين إدوارد لينو وإمرأة من الاستوائية غاضبة من الشمال العربي المسلم كما يبدو لها  الذي يضطهد الجنوب وكانت تهاجمه بأنه شمالي وذو لسان قوي مثل لسان الجلابة وهي تقصد أنه يجيد اللغة العربية فقلت لها مازحاً : لولا وجود إدوارد وقومه  الاشداء في الحدود بين الشمال والجنوب لكانت  الحدود في الإستوائية ولذا يجب ان تتوجهي له بالشكر اذا كنت غاضبة من اللغة العربية فضحك إدوارد لينو وقال لي: أبو النسب والله مرة واحدة ماكفاية الا نشوف ليك واحدة تانية.

صادف إدوارد في حياته الموت كما صادف الشّهداء والأحياء، شيئاً واحداً لم يأتي اليه هو الخواء فقد كانت حياته مليئة وامتلك طاقة كبيرة وحتى حينما ذبُل جسده أبدى رغبة عميقة نحو الحياة وظل يوزّع الإبتسامات والنّكات وحينما زرته وزوجتي ( أوار دينق كوال) في الشهور الأخيرة قبل رحيله تحدث معنا في كل شئ في السّياسة والثّقافة وأهداني كتبه الجديدة وبعض النكات وتذكّرنا الأصدقاء والشّهداء وذكريات الأوقات القديمة وسخر من كل شئ  وكانت روحه قوية دون سند من جسد؛ مليئةٌ بالتفاؤل والأمل وقود المناضل والنضال. لقد كانت له طريقته الخاصة في التعامل مع الاوقات الصعبة دون أنهزام وهذا درس أودعه لدينا جميعاً ( حبة عند اللزوم) لقد كان أدوارد محظوظاً لأنه عاش حياة حافلة دون خواء.

العودة إلى أبيي:

بعد رحلة شاقّة؛ أمضاها إدوارد لينو في فضاءات السّياسة والمُجتمع والثّقافة، وللجغرافيا صلة عميقة بإدوارد؛ وشكلت جزءاً كبيراً من عالمه وحينما مات في بلاد الحكمة في الهند؛ عاد قافلاً الى أبيي بلدته القديمة لأن النّيليين لايحبون الموت في بلاد الغرباء وهكذا كانت مقابرهم  دوماً على ضفاف النيل وعاد إدوارد الى نهر ( كير) ورجع الى بلدته حتى يكون له مزار.

ورغم مصاعب الكورونا عاد مرة أخرى الى أبيي وسيكون قبره مزاراً للشباب القادمين في أوقات أجمل من تلك التي عاشها وبفضله وآخرين؛ سيذكر الشباب نساءاً ورجالاً رحلته وجيله وعشرات المثقّفين والمُناضلين وآلاف الناس العاديين من منطقة أبيي الذين كانت لهم إسهامات رائعة وجليلة ومقدّرة في نضالات الجنوبيين السودانيين من أجل التحرر وفي نضالات السودان عموماً لقد لعب أبناء وبنات أبيي دوراً مهماً في رفد النضال المسلح بأناس من خيرة الذين شاركوا فيه وستجد مفارقات الجغرافيا والتّاريخ والثّقافة والسّياسة التي التقاها إدوارد لينو وجهاً لوجه صعوداً وهبوطاً اجاباتٍ ناجعة يوماً ما وفي أزمنة قادمة.

*قُرنفلة ووردةٌ حمراء ومحبةٌ وتحية ودمعةٌ على قبر إدوارد لين