22/10/2020

بوابة السـودان

صحيفة إلكترونية مستقلة

نفي للتأكيد.. والشارع غاضب

ينتظر الشارع تجاوبا واعتذارا من رئيس وزرائه ولو عبر صفحاته على شبكات التواصل، لأن ماحدث في يوم الذكرى الأولى على توقيع الوثيقة الدستورية لم يجد له الشارع تفسيرا سوى أنه إدارة للظهر، وياله من أمر جلل.

بقلم محمد شمس الدين

في مقابلة على سكاي نيوز عربية سمعت تصريحا لمحلل سياسي إسرائيلي في سياق تحليله لتصريحات الخارجية السودانية حول استعداد السودان لإبرام اتفاق سلام مع السودان، يقول فيه مفسرا إن السودان يحتاج للخروج من عزلته لتحسين أوضاعه الاقتصادية.
في الحقيقة السودان خرج من عزلته منذ عام.. وخلال ذلك العام رأينا كيف تفاعل المجتمع الدولي مع السودان وعقد عدة مؤتمرات منها ما خصص لدعم اقتصاده ولم يكن من ضمن تلك الدول إسرائيل، حتى حين تباطأت خطوات الولايات المتحدة التي توقع الجميع أن تكون الدولة الأولى في وقوفها مع السودان سارعت دول أوروبية للتفاعل بحميمية مع السودان كألمانيا وفرنسا وغيرهما.. وبطبيعة الحال فإن الأشقاء في دول الخليج لم تتوقف مساندتهم الاقتصادية للسودان حتى اليوم بل ازدادت معدلات الاستيراد والتصدير من وإلى السودان. 


استعداد السودان لإقامة علاقات مع إسرائيل يفسر أولا وأخيرا بحسابات المصالح البحتة فقد كان أحد مطلوبات الإدارة الأمريكية التي فرضتها جماعات الضغط التي تعمل على تحقيق مصالح إسرائيل – بشكل غير رسمي-  كشرط لازالة اسم السودان من قائمة الإرهاب.. ووافق السودانيون لإظهار بادرة حسن نوايا، وفي هذا إدراك من الساسة الجدد أهمية جماعات الضغط في قدرتها على إقناع الادارة الأمريكية بما تريد.. والملفت هنا هو آلية توظيف مصلحة السودان من ذلك وتحقيقها مع المحافظة على ثوابت السودان والتزاماته تجاه القضية الفلسطينية.


يمكن قراءة التفاعل الرسمي الذي طرأ بالأمس في الخرطوم رسميا في إطار الرد على تصريح مماثل من وزير إسرائيلي صدر منذ أيام قليلة يتوقع فيها اقتراب توقيع اتفاق سلام قبل نهاية العام، لكنه يصب قبل كل شيء في سياق تذكير الولايات المتحدة التي تأخرت كثيرا في الوفاء بوعدها حتى بعد أن تمت التسوية في ملف تعويضات ضحايا تفجيرات السفارتين الأمريكيتين التي تورط فيها نظام الإخوان المسلمين في السودان، كما أنه تذكير بجدية الإدارة الانتقالية الحالية للبلاد في العمل على كل مامن شأنه استقرار المنطقة هي كأحد أهداف السودان الجديد بعد سقوط تجار الدين وأمراء الحرب. 


 تصريح المتحدث الرسمي للخارجية حيدر بدوي الذي هو بالمناسبة هو التصريح الرسمي الأول من موظف بدرجة سفير والذي صدر بعده بساعتين تصريح من الوزير يبدي فيه دهشته ويقول فيه إنه المتحدث لم يكلف بالإدلاء بأي تصريح في هذا الصدد كان تصريحا موجها للداخل ولم ينف بل أكد ضمنيا محتوى التصريح الذي أدلى به السفير حيدر بدوي  والمهم هنا أنه يؤكد وجود رغبة لدى الإدارة السودانية الجديدة في تطبيق استراتيجية تنتهج السلام مع الجميع بما فيهم إسرائيل كخيار منطقي ومؤكد والإشارات على ذلك كثيرة خلال العام المنصرم.. ومعظمها فيما عدا لقاء البرهان بنتنياهو وردت ضمنا في سياق تصريحات رسمية كان تشير إلى أن مسألة بناء علاقات مع اسرائيل مسألة يقرر فيها السودانيون بالتوافق، وهذا يفسر على أنه خلل في طريقة بث الرسائل الرسمية للدولة مع أن المسؤولين الحاليين من ذوي الخبرة في المحافل السياسية الدولية.


يؤخد على الخارجية آلية تنفيذ وإخراج هذا التصريح الرسمي الأول والمهم.. فجميعنا يذكر تصريحات الوزيرة السابقة أسماء عبد الله وكذلك تصريحات الوزير الحالي المكلف عمر قمر الدين بأن الأمر ليس من الأولويات وأنها مسألة متروكة لخيارات الشعب، في إشارة إلى التوافق بين مكوناته في البرلمان الذي لم يتشكل بعد، وهذا خطأ آخر يرتكب في حق الشارع وفي حق الوثيقة الدستورية التي وبكل صراحة فيها من المخارج القانونية ما يكفي لبحث أي موضوع في إطار قانوني.


 كما أن توقيت الإدلاء به يرسل برسائل سلبية للشارع السوداني الذي يتزايد حنقه على الحكومة التي لم تنجح منذ عام في تنفيذ متطلبات الثورة سوى في ملف السلام وهو أمر على أهميته إلا أنه لن يؤثر بشكل سريع على قوت المواطن في ظل الارتفاع الجنوني في سعر الدولار وانهيار سعر صرف العملة.. ويضاف إلى أخطاء متعددة تتعلق بتواصل الحكومة مع الشارع في مؤشر خطير جدا قد يفسر على أنه سلوك جديد للحكومة في التعامل مع الشارع الشي تأسره الكلمة الطيبة التي ساعد تأثيرها الطيب المواطن في الصبر على ضنك المعيشة خلال العام المنصرم.


الشارع “المؤيد لحكومته حتى الآن” لايحتاج إلى أن تمارس أساليب السياسة والدبلوماسية عليه بل يحتاج إلى الصراحة والمباشرة.. ولا يمكن تفسير تصريح وزير الخارجية إلا في إطار تخفيف الضغط الداخلي الذي ربما قد ينجم عن التصريح والرسالة السياسية الأساسية التي بثت في تصريح المتحدث الرسمي لوسائل الإعلام الدولية و لم تنشر حتى وقت كتابة هذه الأسطر في أي وسيلة رسمية للدولة ولا في موقع الخارجية على الإنترنت أو صفحة الوزارة على تويتر و بالمناسبة الرابط المنشور على صفحة تويتر لا يعمل.  ولا أجد تفسيرا لذلك فل يحتاج الأمر أكثر من ساعة واحدة لإطلاق موقع إلكتروني يكون مرجعا لوسائل الإعلام وللمواطنين على حد سواء بدلا من تركهم يلهثون وراء المعلومة الصحيحة في ظل تعمد تغييب وسائل الإعلام الرسمية عن مواكبة التطورات.

شكل هذا التفاعل في وزارة الخارجية بالأمس الحدث الأبرز في الخرطوم و عواصم المنطقة إلى جانب خبر محكمة الحريري وأدرج كخبر مهم في وسائل الإعلام الدولية لأهميته لمدة تكفي لتثبيت الرسالة السياسية قبل أن يصدر تصريح آخر حول عدم تكليف المتحدث الرسمي بالتصريح.. في وقت ينتظر فيه الشارع تجاوبا واعتذارا من رئيس وزرائه ولو عبر صفحاته على شبكات التواصل، لأن ماحدث في يوم الذكرى الأولى على توقيع الوثيقة الدستورية لم يجد له الشارع تفسيرا سوى أنه إدارة للظهر، وياله من أمر جلل.


في تقديري إن لم تقرأ الحكومة خطورة أخطائها وتسارع لإصلاحها فورا فسيكون قد جنت على نفسها ما لا قبل لها به.. فلم تحظ هذه الحكومة باحترام واعترف العالم سوى لأن الشارع رضي عنها حين أتى بها محمولا على الأعناق.. ولا بد أن تدرك جيدا أنها ستسقط من نظر المجتمع الدولي سريعا إن سقطت من نظر الشارع الذي يتميز من الغيظ.